suhaiban.com/index-ar-show-252.html

قضية المرأة
مشاهدات : 604

الجمعة 20 صفر 1436 هـ - الجمعة 12 ديسمبر 2014 م

الحمد لله،....      

أمّا بعد:

فأوصيكم ـ أيّها الناس ـ ونفسي بتقوَى الله عزّ وجلّ، فاتَّقوا الله ربَّكم، فأهل النجاةِ والخلاص هم أهل التقوى والوفاءِ والإخلاص )وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ).

أيها المسلمون: لقد كان الناس قبل الإسلام في جاهلية جهلاء، وفي ضياع وشقاء، تخبط في المعتقد والدين، واضطراب في الفكر والسلوك والأخلاق، وارتباك في الحياة الاجتماعية، وظلم عظيم في الحياة السياسية، وربما أن الإنسان الضعيف الذي لا يجد حماية لنفسه لا يستطيع البقاء إلا إذا أذل نفسه لإنسان آخر، وكان من الظلم الذي أحاق بالإنسان، ظلم الإنسان للمرأة، فظلمها الجاهليون بنتاً، وظلموها زوجة، وظلموها أختاً، وظلموها أماً، ظلموها في حياتها، وظلموها بعد مماتها، كان أكثر أهل الأرض في العالم قبل رسالة الإسلام ينظر إلى المرأة كأنها متاع، يستمتع بها متى ما اشتهى، ثم إن استغنى عنها احتقرها وأبعدها وهجرها، بل كانت أحياناً متاعا تورث كما يورث المتاع، )وَإِذَا بُشّرَ أَحَدُهُمْ بِٱلاْنْثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَىٰ مِنَ ٱلْقَوْمِ مِن سُوء مَا بُشّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِى ٱلتُّرَابِ أَلاَ سَآء مَا يَحْكُمُونَ(. جاء الإسلام ورفع الظلم عن عامة البشر، أنصف المرأة ووضعها في مكانها الطبيعي، وكفل لها الكرامة، فلا غناة للرجل عنها ولا غناة لها عن الرجل(وَمِنْ ءايَـٰتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوٰجاً لّتَسْكُنُواْ إِلَيْهَا) كرم الله المرأة أماً وأختا وزوجة وبنتا. فالمرأة في الإسلام أهمُّ عناصر المجتمع، الأصلُ أن تكون مربِّيةً للأجيال، مصنعًا للأبطال، ملكة في منزلها، تظلله بالسكينة والطمأنينة، وتحيطه بجو الاستقرار والحنان، وخروج المرأة من منزلها في الإسلام يؤخَذ ويمارَس من خلال الحشمة والأدب، ويُحاط بسياج الإيمان والكرامة وصيانة العرض، وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى.

أيها المسلمون، واليوم نحن أمام حديث لا يكلّ عن المرأة وشؤونها وحقّها وحقوقها، حديث يهدف إلى إسقاط مجتمعاتنا على مجتمعات وحضاراتٍ غربية وغريبة عن حضارتنا، حديث صادر للأسف من بعض أبناء المسلمين عن غير علم ولا هدى ولا كتاب منير، حديث يحمل الأفكار المضلِّلة ويدعو إلى الانعتاق من كل الضوابط والقيم والمسؤوليات الأسَرِية والحقوقِ الاجتماعية، حديث خلا من كل مقومات الصدق والنصيحة، والأمانة والموضوعية، ديدن ذلك الحديث هو التطاول على النصوص والثوابت، والجرأة على حدود الله وشريعته، ألم تطالعنا تلك الأقلام الهزيلة بالتشكيك في قضية ميراث المرأة، والانتصار لها في قضية تعدد الزوجات بتجريمه وجعله ظلما وخيانة للمرأة، وتسمية حياء المرأة وحِشمتِها وحجابها كَبتًا لا مسوِّغَ له وموروثًا تقليديًّا عفا عليه الزمن.

أما مطية ذلك الحديث فهي الحريّة والتحرّر والتحرير، الحرية تلكم الكلمة التي لها وقعٌ سِحريّ في غرور عامّة الناس، لا سيّما المراهقين والمراهقات، الحرية مطية ركبت لإحداث ثغرَةٍ في تكامُل الأمة الاجتماعيّ وشرخ في صفوفه وتفريق لكلمته، وخرق لسفينة الأمّة الماخرة حين يرون أنه لا سبيلَ لنا إلى أيّ تقدّم في العِلم والصناعة والحضارة إلاّ من خلالِ خوض غِمار تجارب الغربِ في عاداتهم وتقاليدهم ورسومهم وأشكالهم تجاهَ المرأة وغيرها.

أيها المسلمون: لئن كانت الشريعة الإسلامية لا ترضى بمسلَك الغلوّ والتشدد في النظرة للمرأة، بحيثُ تُحتقَر وتمتهَن وتُهمَّش عن واقع الحياة، إلا أنها في الوقت نفسِه لا ترضى بمسلَك التحرّر والانطلاق، فكلا طرفَي قصدِ الأمور ذميم. فلا نريد أن نسمَع لأولئك المتشائمين المتنطِّعين، ولا نتابع المتهوِّرين العابثين؛ فنقع تحت تأثيرِ الغلاة في كبتِ حقّ المرأة وازدرائها،وما يجلبونه في العنصرية ضدَّها من مبرِّرات ومسوغات هي أقرب للظلم والتعسف والجهل والتخلف واسترقاق المرأة وقطع كل وظيفة لها في الحياة، كما أنّنا لا نريد أن نقع تحت تأثير المفرّطين الزّاجّين بالمرأة في كل ميدان ولو خرجت خارجَ السِّياج، وإن أجلبوا على باطلهم بالمبرِّرات المغشوشة والعبارات التي في ظاهرها الرحمة وباطنها من قبله العذاب، (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَـٰعًا فَٱسْئَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ ذٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ)

إن المسَّاس بقضيّةَ المرأة والعَبثَ بها وبمقوِّماتها وإجراء التجارب عليها، والتشكيك في الأُطُر الشرعية التي وَضِعت كرامة وحماية لها، يوقع المجتمع في فتن عمياء ويجر الأمة إلى أنواع من الويلات والشرور لم تكن في التقدير والحسبان، ولقد صدق رسول الله صلى الله وعليه وسلم إذ يقول: ((ما تركتُ بعدي فتنةً أضرّ على أمّتي من النساء)) رواه البخاري ومسلم، وعند مسلم في صحيحه: ((فاتقوا الدنيا، واتّقوا النساء، فإنّ أوّل فتنةِ بني إسرائيل كانت في النساء)) أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ) .

الخطبة الثانية:

لقد أصبحت قضيةُ المرأة الشغلَ الشاغلَ للكثيرين والهاجسَ الأوّل والأخير، في الوقت الذي تشهَد فيه الأمّة وعلى مستوى العالم الإسلامي صنوفًا من الظلم والقهرِ، والبطالة والفقرِ، والانحراف والتضليلِ، وتسلُّط الأعداء من الداخل والخارج، أين أطروحات أولئك في الواقعِ المرئيّ والمسموع والمقروء في تلك القضايا المفصلية المهة، لماذا لا يكون حديثهم عن الإصلاحِ والبِناءِ والتّسامُح والتعاوُن ونَبذ الخلافاتِ ومحاربةِ الظلمِ والفسادِ ، وانتهاج منهَج الوسطيّة والاعتدال في ذلك كله، ماذا تريد تلك الأقلام التي تعبث بقضية المرأة يوما بعد آخر حتى غدت تلك القضية عِلكًا ملتصِقًا في أحذية عُبَّاد الشهوة مِن الذين كرِهوا ما نزّل الله، وكرهوا شريعته.

أيها المسلمون، كم هو جميلٌ أن يكون إعلامنا عند طرحه قضايانا منبثقاً من فكرٍ مسلم وثقافةٍ مسلمة متديِّنة، قصده وهدفه الأسمى تنظيف مجتمعاتِ المسلمين من إسقاطاتِ مجتمَعاتٍ مادية، إن حقاً لكل أبناء المجتمع وبناته المطالبةُ بإعلام يوفر الفَهم الصحيح، والتعامل الواعي لكل وافد جديد، إعلام قادرٌ على توفيرِ المناعةِ ضدِّ كل التيارات والابتذالاتِ التي تحيط بأبنائنا وبناتنا، إننا بحاجة إلى إعلام يجمع ولا يفرق يخدم قضايانا يحافظ على أسرنا، يعزز الفضيلة ويحارب الرذيلة، يدعو للصلاح ويحاب الفساد، نحن بحاجة إلى إعلام يقوم بدوره في البناءِ والتنميةِ الشاملة في المجتمَع كلِّه.

وبعد أيها المسلمون، فإننا ومع ما يظهر من بعض صُورٍ قاتمة وكتابات ذات غبَش فإنَّ الجهدَ الذي يبذُلُه أهل العِلم والفتوى وأصحابُ الفكر السويِّ وكذا أهل الحل والعقد من ولاة أمر المسلمين جهودٌ مباركة، لبيان المنهَج الوسطِ المعتدِل، وردِّ الرأي العامّ إلى مصادِرِ الشرعِ وأصولِه والمحافظة على وحدته ونسيجه الفريد، وهم بإذنِ الله خلَفٌ عدول يحمِلون مشاعِلَ الهدى، ينفون تحريفَ الغالين وانتحالَ المبطلين وتأويلَ الجاهلين، وإلى اليوم نجَح أولئك الأخيار في كَبحِ كثيرٍ مِنَ التوجُّهات غير الوسطيّة غُلوًّا وجفاء.

وفق الله العاملين لدينهم وأمتهم وأنزل عليهم بركاته وسددهم، وحفظهم من كل مكروه.

الجمعة 20/12/1434هـ

إظهار التعليقات
التعليقات
أضف تعليق
الإســـــــــــــــــــم :
البريد الالكترونى :
التعليــــــــــــــــق :
اكتب كود التحقق
4565
تعليقات فيس بوك

مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء