\أعمال الحج\المكتبة المقروءة

الحلقة التاسعة أيام التشريق

suhaiban.com/index-ar-show-295.html

الحلقة التاسعة أيام التشريق
مشاهدات : 1343

السبت 21 صفر 1436 هـ - السبت 13 ديسمبر 2014 م

أيها المستمعون الكرام: حديث اليوم سيكون عن أيام التشريق، ومقتضى كلام أهل اللغة والفقه أن أيام التشريق ما بعد يوم النحر على اختلافهم هل هي ثلاثة أو يومان، لكن ما ذكروه من سبب تسميتها بذلك يقتضي دخول يوم العيد فيها، وسبب تسميتها بأيام التشريق، أنهم كانوا يشرقون فيها لحوم الأضاحي أي يقددونها ويبرزونها للشمس، وقيل إن أيام التشريق سميت بذلك لأن صلاة العيد إنما تصلى بعد أن تشرق الشمس، وقيل سميت بذلك لأن الهدايا والضحايا لا تنحر حتى تشرق الشمس.

وقد ذكر أكثر أهل العلم أن أيام التشريق هي الأيام المعدودات الواردة في قول الله تعالى: (واذكروا الله في أيام معدودات فمن تعجل فى يومين فلا إثم عليه)، وهي أيام مِنًى وهي ثلاثةُ أيام بعدَ يومِ النحرِ. وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أيَّامُ مِنًى ثلاثةٌ، (فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ) "خرَّجه أهل السنن الأربعة من حديثِ عبدِ الرحمنِ بنِ يَعْمُرَ. وهذا صريحٌ في أنَّها أيامُ التشريقِ، وأفضلُها أولُها، اليوم الحادي عشر وهو يوم القَرِّ؛ لأنَّ أهلَ مِنًى يستقرِّون فيه، ولا يجوزُ فيه النَّفر. وفي حديثِ عبد اللَّهِ بن قُرْط عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أعظم الأيام عندَ اللَّهِ يومُ النَّحرِ، ثمَّ يومُ القَرِّ". رواه أبو داود، ثم يومَ النَّفْر الأوَّل، وهو أوسطُها. اليوم الثاني عشر، ثم يومَ النَّفْر الثاني وهو آخرُها، وهو اليوم الثالث عشر، قال اللَّهُ تعالى: (فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ) . قال كثيرٌ من السّلَفِ: يريدُ أن المتعجِّل والمتأخِّر يُغفَر له، ويذهبُ عنه الإثمُ الذي كان عليه قبلَ حجِّه، إذا حجَّ فلم يرفُثْ ولم يَفْسُقْ، ورَجَعَ من ذنوبِهِ كيومِ ولدتْهُ أمُّه، ولهذا قال تعالى: (لِمَنِ اتَّقَى) ، فتكونُ التقوى شَرْطا لذهابِ الإثم على هذا التقديرِ، وتصيرُ الآيةُ دالَّةً على ما صرَح به النبيِّ - صلى الله عليه وسلم بقوله: "مَن حجَّ فلم يرْفُثْ ولم يَفْسُقْ رجع من ذُنوبِه كيومِ ولدتْهُ أمَّهُ ".

  هذه الأيام المعدودات أيام التشريق، أيام مباركة شريفة، قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:«يوم عرفة، ويوم النحر وأيام التشريق عيدُنا أهل الإسلام»  يريد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنها من الأيام التي يبتهج بها المسلمون ويفرحون ويسرون،  وقد أمرَ اللَّهُ تعالى بذكْرِه في هذه الأيامِ المعدُوداتِ، كما قالَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم وغيره عن نبيشة الهذلي رضي الله عنه : "أيام التشريق أيامُ اكْل وشُرْب وذِكرِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ " ، وذِكْرُ اللَّهِ عزَّ وجلَّ المأمورُ بهِ في أيامِ التشريقِ أنواعٌ متعددة:  منها: ذِكْرُ اللَّه عزَّ وجلَّ عقبَ الصَّلواتِ المكتوباتِ بالتكبيرِ في أدْبارها.وهوَ مشروعٌ إلى آخرِ أيَّام التشريقِ عند جمهورِ العلماءِ.وقد رُوي عن عمرَ وعليٍّ وابنِ عباسٍ، وفيه حديث مرفوع في إسنادِهِ ضعف. ومنها: ذِكْرُه بالتَّسميةِ والتكبيرِ عند ذبْح النُّسُك، فإنَّ وقتَ ذبْح الهدايا والأضاحي يمتدُّ إلى آخر أيامِ التشريقِ عند جماعةٍ من العلماءِ. ومنها: ذِكْرُ اللَّهِ عزَّ وجلَّ على الأكْلِ والشربِ؛ فإن المشروع في الأكلِ والشربِ أن يُسمِّيَ اللَّه في أولِهِ، ويحمَدَهُ في آخر. وفي الحديثِ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -:"إن اللَّهَ عزَّ وجلَّ يرْضَى عن العبْدِ أن يأكُلَ الأكْلَةَ فيحمدَهُ عليها، ويشربَ الشَّرْبةَ فيحمَدَهُ عليها". ومنها: ذِكْرُهُ بالتكبيرِ عند رَمْي الجمارِ في أيَّامِ التشريقِ، وهذا يختصُّ بِهِ أهلُ الموسم من الحجاج.  ومنها: ذِكْرُ اللَّه تعالَى المطلقُ، فإنَّه يستحبُّ الإكثارُ منه في أيَّامِ التشريقِ.وقد كان عُمَرُ يُكبِّر بمنًى في قبّته، فيسمعُهُ الناسُ فيكبِّرون فترتجّ منًى تكبيرًا. وقد استحبَّ كثير من السَّلفِ كثرةَ الدعاء في أيام التشريقِ. خاصة بقوله (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) .  فأيَّامُ التشريقِ يجتمعُ فيها للمؤمنينَ نعيمُ أبدانهِم بالأكْل والشُّربِ، ونعيمُ قلوبهِم بالذِّكرِ والشكرِ، وبذلكَ تتمُّ النِّعمةُ، وفي قول النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: "إنَّها أيامُ أكْلٍ وشُرْب وذِكْرِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ "، إشارةٌ إلى أنَّ الأكل في أيام الأعيادِ والشُّربَ إنَّما يستعانُ به على ذِكْرِ اللَّهِ تعالى وطاعتِهِ، وذلكَ من تمامِ شُكْرِ النِّعْمة أن يستعانَ بها على الطاعاتِ. وإنَّما نُهيَ عن صيامِ أيامِ التشريقِ، لأنَّها أعيادٌ للمسلمينَ مع يومِ النَّحرِ، فلا تُصامُ بمنًى ولا غيرها عندَ جمهورِ العلماء، سواء وافقَ عادةً أو لم يُوافق. ففي صحيح البخاري عن عائشة وابن عمر رضي الله عنهم، قالا: «لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن، إلا لمن لم يجد الهدي»، وفي النهي عن صيامِ هذه الأيامِ والأمرِ بالأكلِ فيها والشُّرب سِرٌّ حسنٌ. وهو أنَّ اللَّهَ تعالى لمَّا علِمَ ما يُلاقي الوافِدون إلى بيتِهِ من مشاقِّ السَّفرِ وتعبِ الإحرامِ وجهادِ النفوسِ على قضاء المناسك، شرع لهم الاستراحةَ عقيبَ ذلك بالإقامةِ بمنًى يومَ النَّحْرِ وثلاثةَ أيامٍ بعدَه، وأمرَهُم بالأكْلِ فيها من لحومِ نُسُكِهم، فهم في ضيافةِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ فيها، لطفًا من اللَّه بهم، ورأفةً ورحمةً. وشاركَهُم أيضًا أهلُ الأمصارِ في ذلكَ؛ لأنَّ أهلَ الأمصارِ شاركُوهم في الاجتهادِ في عشْرِ ذي الحجَّة، بالصَّومِ والذِّكْرِ والاجتهادِ في العباداتِ، وشاركُوهم في حُصولِ المغفرةِ وفي التقرُّبِ إلى اللَّهِ تعالى بإراقةِ دماءِ الأضاحي، فشاركُوهم في أعيادهم، واشتركَ الجميعُ في الراحةِ في أيامِ الأعيادِ بالأكْلِ والشربِ، وصارَ المسلمونَ كلُّهم في ضيافةِ اللَّهِ عزَّ وجل في هذه الأيامِ.

أخي المستمع أختي المستمعة ... من أهم أعمال أيام التشريق بالنسبة للحاج عملان الأول : المبيت بمنى تلك الليالي وهو واجب عند جمهور الفقهاء؛ والمبيت بمنى ثلاث ليال لغير المتعجل، أما من تعجل فليس عليه سوى مبيت ليلتين فقط، ولا إثم عليه في ترك مبيت الليلة الثالثة للآية الكريمة. والقدر الواجب من المبيت بمنى: هو مكث أكثر الليل عند جمهور الفقهاء. ويسقط المبيت بمنى عن ذوي الأعذار كأهل السقاية والرعاة في الزمن الماضي ، وكأهل المسؤوليات العامة أو الخاصة ، وكالمرضى ومن في حكمهم. لحديث ابن عمر أن العباس استأذن النبي صلى الله عليه وسلم أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته فأذن له أخرجه مسلم، كما يسقط هذا الواجب عن كل من لم يجد مكاناً في منى، فيبيت خارجها، والمقصود بالمكان هو مكان المبيت في المخيمات ، أما الساحات والشوارع وطرق المشاة أو السيارات فهذه ليست مكاناً حتى لو كان فيها سعة، فمن وجد هناك مكاناً للمرور أو ساحات للتوسعة على الحجاج فليس له أن يشغلها بالنوم فيها، وافتراشها، لأن في ذلك استغلالاً للمكان في غير ما وضع له، ولأن فيه تضييقاً، وربما جرّ إلى مفاسد أمنية وصحية.

العمل الثاني: رمي الجمرات، والجمرات التي ترمى في هذه الأيام ثلاث، والمقصود من رمي الجمار كمال التعبد لله تعالى والانقياد، والامتثال من غير حظ للنفس والعقل في ذلك، ثم ليقصد به التشبه بإبراهيم عليه السلام حيث عرض له إبليس لعنه الله تعالى في ذلك الموضع ليدخل على حجه شبهة أو يفتنه بمعصية، أمره الله عز وجل أن يرميه بالحجارة طردا له وقطعا لأمله، ورمي الجمار واجب في الحج باتفاق الفقهاء، ووقت رمي الجمار بعد الزوال، وفي الرمي قبل الزوال خلاف بين الفقهاء، الأكثر على منعه، وجوزه جماعة من الفقهاء، خاصة عند النفر والخروج من منى والناس اليوم يرمي بعضهم قبل الزوال، وبعضهم بعده فمن رمى مقتدياً بقول عالم وفتواه ، فرميه صحيح. والمشروع للحاج التكبير مع كل حصاة يرميها، كما يشرع له الدعاء بين كل جمرتين فيدعو بعد الأولى والثانية فقط، وقد ثبتت السنة بهذا.

نسأل الله بلطفه أن يتقبل من المسلمين صالح أعمالهم وأن يحفظ حجاج بيته ويعطيهم ما أملوه من رحمته ، وأن يعيد على المسلمين هذه الأيام المباركة وهم على أحسن حال .

إظهار التعليقات
التعليقات
أضف تعليق
الإســـــــــــــــــــم :
البريد الالكترونى :
التعليــــــــــــــــق :
اكتب كود التحقق
3656
تعليقات فيس بوك

مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء