\مقالات\المكتبة المقروءة

لا جدال في الحج

suhaiban.com/index-ar-show-3046.html

لا جدال في الحج
مشاهدات : 1320

الثلاثاء 09 ذو الحجة 1436 هـ - الثلاثاء 22 سبتمبر 2015 م

أمرنا الله بتعظيم شعائره لأنها سبب تقوى القلوب وصلاحها، ونهانا سبحانه في تلك الشعائر والمشاعر عن مقاربة كل خطيئة تفسد أو تنقص أجر الحج فقال سبحانه:(الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج).
ومعنى قوله سبحانه: (لا جدال) كما ذكر جماعة من السلف: أن تماري صاحبك حتى تغضبه، وقيل : هو السباب والمنازعة، ورجح شيخ المفسرين ابن جرير الطبري أن المعنى المراد في الآية هو: قطع التنازع في مناسك الحج، وأن الله قد أبطل الجدال في الحج ووقته، واستقام أمره ووقته على وقت واحد، ومناسك متفقة غير مختلفة، ولا تنازع فيه ولا مراء.
وكل هذه المعاني صحيحة في الآية، والمهم هنا أن نفهم أن الحج عبادة لها حرمة خاصة، وشعيرة يجب حفظها وتعظيمها، ولأجل تقرير هذا الفهم وتعميقه في النفس فيمكن أن نتساءل لماذا ينهانا ربنا سبحانه عن الجدال في الحج؟ وهل لهذا النهي حكمة ومعنى، وسرّ ومغزى، مؤثر على تعظيم شعيرة الحج، والجواب-بلا أدنى شك- نعم فهو قول الله سبحانه، وكفى بذلك حكمة من الحكيم الخبير، لكن لعنا نلتمس في هذه الكلمات طرفاً من تلك الحكم العظيمة في النهي عن الجدال في الحج:
فأولاً: أن المقصود من الحج الذل والانكسار لله، والتقرب إليه بما أمكن من القربات، والتنزه عن مقارفة السيئات، فإنه بذلك يكون حجاً مبروراً، والجدال في حقيقته ينافي حالة التجرد لله تعالى في هذه الفترة المهمة، التي يجب أن يغلب عليها حال الإخلاص لله والتوجه إليه سبحانه، والارتفاع على دواعي الأرض ونوازع الشهوة الخفية في النفس البشرية.
إن رحلة الحج وإن كانت أياماً معدودات إلا أنها في حقيقتها امتحان قوي للمسلم في صدق إيمانه وصلاح قلبه، وتجرده لله سبحانه، امتحان للحاج في ترك المنكر كله والبعد عن كل مسبباته.
ثانياً: أن الحج مرحلة مهمة في حياة المسلم فهو دورة إيمانية تربوية، بل هو مدرسة لكل معاني القيم والأخلاق الكريمة، والمسلم في هذه المحطة المهمة من حياته ينبغي أن يكون في أكمل حال من طهارة النفس والسريرة، يحب لإخوانه ما يحب لنفسه، ويكره لإخوانه ما يكره لنفسه، والجدال والمخاصمة إنما تنبت عادة من الإفراط في حب الذات والانتصار لها، وتغليب المصلحة الشخصية.
ثالثاً : أن الجدال يسبقه غالباً أو يصاحبه أنواع من الإثم كالمراوغة والكذب، وربما الغمز واللمز، والتنقص والسخرية، والغيبة والنميمة، وغيرها من بذاءات اللسان وسقطاته، فضلاً عن ما ينطوي عليه القلب من كبر وعجب، أو حسد وغل، وكل ذلك إثم يجرّه ويسببه الجدال المذموم الذي يذهب خيره ويبقى شره.
رابعاً: أن الجدال في أصله مذموم، فهو يجرّ إلى المنازعة والمخاصمة، وذلك يثير الشر، ويوقع العداوة، وقد قال بعض السلف:" الجدال يقسي القلوب، ويورث الضغائن"، وقيل أيضاً:" إذا أحببت أخاك فلا تماره"، ولئن كان الجدال والمماراة وإغضاب الأصحاب ممنوعاً ومنهياً عنه كل وقت إلا أنه يشتد المنع من ذلك في الحج، من أجل تعظيم شأن الحج، وشأن الحرم، والأعمال تختلف باختلاف الزمان والمكان، فللملأ آداب غير آداب الخلوة مع الأهل، ويقال في مجلس الأصحاب والإخوان ما لا يقال في مجلس العموم والسلطان، لذلك وجب أن يكون الحاج في وقت تلك العبادة والحضور مع الله تعالى على أكمل الآداب وأفضل الأحوال، ناهيك بعظمة المكان بالحضور في البيت الذي نسبه الله سبحانه إليه.
خامساً: يجتمع في موسم الحج أنواع من الناس مختلفة الطبائع والأجناس، أمة من المسلمين من كل فج عميق، تختلف نظراتهم وعقولهم، وسلوكهم وحضارتهم، يفكرون بطرق مختلفة، وينظرون إلى الأشياء نظرات شتى، إن مجرد طرح قضية اجتماعية أو سياسية أو اقتصادية أو حتى شرعية، سوف تختلف فيها وجهات النظر إلى حد كبير، هذا إذا كان الأمر عند أهل الاختصاص، فكيف إذا كانت تلك القضايا كلاً مباحاً لآحاد الناس، إننا مطالبون في الحج خاصة أن نكف عن كل ما يسبب الخلاف والشقاق والفرقة، لأن موسم الحج يجب أن يبقى رمزاً واضحاً للوحدة الإسلامية، هذا الموسم يجب أن يكون عوناً للمسلمين على التقارب والتفاهم والتراحم لا سبيلاً للجدال والخصومات والخلاف.
سادساً : أن وقت الحج عظيم وثمين، وفي الجدال تضييع لذلك الوقت الثمين بما لاطائل من ورائه، فهو إن سلم من الشر والإثم، فلا أقل من أنه يصد عن ذكر الله والإقبال عليه، وترك العمل الصالح في تلك البقاع الطاهرة، وقد كان بعض السلف يقول: "إذا أراد الله بقوم شرًّا ألزمهم الجدل، ومنعهم العمل".
سابعاً: أن الحاج قد يبلى أحياناً في رحلة حجه ببعض الرفقة من غير اختيار منه، فيكون فيهم الأحمق والجاهل والعنيد، والأبله والأخرق والأهوج، وكل من هؤلاء يدعي أنه العاقل الأريب وأن لا عقل إلا عقله، ومثل هذا لا يمكن أن يتفق مع أحد أبداً إلا أن يكون نسخة مكررة منه وهذا محال، حينئذ يظهر امتحان الصبر، وقوة التحمل.
        وإن بليت بشخص لا خلاق له         فكن كأنك لم تسمع ولم يقل
وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم أبلغ، ووعده أصدق، فقد قال حاثاً على ترك الجدال: "أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك الجدال ". رواه أبو داود وحسنه الألباني.
وأخيراً فينبغي أن يفهم أن بيان الحق والدعوة إليه أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا كان بأسلوب طيب حسن وهدوء وحكمة ليس من الجدال المذموم، بل هو واجب بقدر المستطاع، كما قال الله تعالى: "ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ " وقد قيل" المؤمن يداري ولا يماري، ينشر حكمة الله، فإن قُبلت حمد الله، وإن رُدَّت حمد الله".



وكتبه
أ.د.عبدالله بن عمر السحيباني
أستاذ الفقه بجامعة القصيم

إظهار التعليقات
التعليقات
أضف تعليق
الإســـــــــــــــــــم :
البريد الالكترونى :
التعليــــــــــــــــق :
اكتب كود التحقق
7733
تعليقات فيس بوك

مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء