\خطب الجمعة\المكتبة المرئية

خطبة التاريخ الهجري تاريخ المسلمين

مشاهدات : 2398

الاثنين 06 محرم 1437 هـ - الاثنين 19 أكتوبر 2015 م

أيها المسلمون: لقد جعل الناس بما وهبهم الله من المعارف والعلوم تواريخ ومقاييس من خلال النظر في الظواهر الكونية وعلاقة الأرض بالشمس أو علاقتها بالقمر، ومع امتداد الزمن ظهرت العديد من التواريخ التي يؤرخ بها الناس، وبقي منها اليوم التاريخ الهجري والتاريخ الميلادي، فالتاريخ الهجري يقوم على دورة القمر أي يستخدم الأشهر القمرية الطبيعية، والسنة الوضعية والتي تتكون من اثني عشر شهراً قمرياً، والتأريخ الميلادي يقوم على حركة الشمس السنوية الطبيعية وهي التي تتكون من دورة واحدة للشمس حول الأرض، ويستخدم هذا التاريخ الأشهر الوضعية، التي وضعها الناس بلا مستند طبيعي. أيها المسلمون: لقد كان العرب قبل الإسلام يستخدمون التقويم القمري ويتعاملون مع الأشهر القمرية ويؤرخون بأبرز الأحداث، كعام الفيل مثلاً، ولما هاجر المسلمون إلى المدينة وأصبح لهم كيانهم المستقل أصبحوا يطلقون على كل سنة اسماً خاصاً بها فكانت السنة الأولى تسمى بسنة الإذن والسنة الثانية تسمى سنة الأمر وهكذا حتى العاشرة التي تسمى سنة الوداع، وقد ذكر بعض أهل التاريخ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرخ التاريخ حين قدم المدينة في شهر ربيع، وذكروا في هذا روايات لا تصح، قال ابن حجر بعد ذكره إحدى الروايات: وهذا معضل، والمشهور خلافه، وأن ذلك في خلافة عمر رضي الله عنه، وقد جاءت روايات عديدة تدل على أن التأريخ الهجري بدئ العمل به في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعد مشاورة الصحابة ضي الله عنهم ثم اتفاقهم على البداية من هجرة النبي صلوات الله وسلامه عليه، وقد استنبط بعض العلماء من قول الله تعالى: (لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ) صحة ما اتفق عليه الصحابة مع عمر رضي الله عنه فقد وافق رأيهم ظاهر التنزيل، وفهمنا أن قوله سبحانه: (مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ) أن ذلك اليوم هو أول أيام التأريخ الذي يؤرخ به الآن. وقد دلت النصوص الشرعية على وجوب الأخذ بالتقويم القمري المتمثل بالتأريخ الهجري ومن ذلك قوله تعالى: "يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ"، وقوله تعالى: "إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ" قال أهل العلم: الواجب على المسلمين أن يعتبروا في بيوعهم ومدد ديونهم وأحوال زكاتهم وسائر أحكامهم بالأهلة، ولقد اتفق السلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم على العمل به، قال أهل العلم: وفي العمل بالتأريخ الهجري تذكراً لوقائع الإسلام وأحوال المسلمين في سابق الدهر، ثم هو أوضح وأبين حيث يعتمد على الأهلة التي ترى عياناً للناس كافة، المتعلم والأمي، ثم إن التاريخ الهجري شعار ورمز للأمة الإسلامية التي يؤرخ لها، وله دلالاته وأبعاده، أيها الإخوة: إن التاريخ الميلادي في الأصل كان رومانياً، وقد كان تاريخ الرومان في أوله عشرة شهور فقط، فعدله بعض ملوك النصارى، ونسبوه نسبة جزافية لميلاد المسيح عليه السلام بعد ميلاده بستة أو ثمانية قرون تقريباً، وقد أقر بعض الباحثين النصارى بخطأ هذه النسبة، أما الأشهر الميلادية فإنها في الأصل تعود لتمجيد آلهة الرومان، فيناير لإله الشمس، ومارس اسم إله الحرب، ومايو اسم إلَهَة الخصب، وبعضها لتمجيد بعض ملوكهم فيوليو فهو اسم للقيصر، وكذا أغسطس اسم أحد القياصرة، ولقد قام مجلس الشيوخ في عهده بتعديل أيام الشهر إلى واحد وثلاثين يوماً بدلاً من ثلاثين يوماً؛ لأنه أحرز في هذا الشهر أعظم انتصاراته وكذا يوليو. وبهذا يظهر أن التقويم الميلادي تقويم وضعي، غيرُ مبني على أساس كوني في تقسيم شهوره، ولذا لما قصرت الأيام اختاروا فبراير مكانًا للنقص، فكان ثمانية وعشرين يومًا في السنوات البسيطة، بخلاف التقويم الإسلامي المربوط بظاهرة كونية يدركها كل الناس، وهي هلال القمر هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ، ايها المسلمون: لقد نص أهل العلم على أن وضع التقويم الشمسي المتمثل بالتأريخ الميلادي شعاراً للبلد والاعتداد به في احتساب المواقيت والأحوال هو تشبه صريح بالنصارى، وهو يدل على الضعف والتبعية والتقليد الأعمى، وأن الأخذ به وترك التاريخ الهجري من أكبر الجنايات على الهوية الإسلامية فهو تاريخ أجنبي عن دينها وثقافتها، وهو امتداد لطمس الهوية الإسلامية والارتماء في أحضان التبعية، وضياع كثير من مواقيت الشعائر التعبدية المرتبطة بالأهلة، ولقد كان التاريخ الميلادي موجودًا في زمن الصحابة رضي الله عنهم فلم يستعملوه، وكذا لم يستعمله من بعدهم، حتى استولى النصارى على كثير من بلاد الإسلام، واستعمروهم واضطروهم إلى تعلم التاريخ الميلادي، وأنسوهم التاريخ الهجري إلا ما شاء الله، ولقد نص أهل العلم على أنه يجوز مع الحاجة استخدام التأريخ الميلادي، ويدخل في هذا التعامل مع الدول أو الشركات العالمية التي تعتمد التأريخ الميلادي، مع بعض الاعتبارات المرتبطة في ذلك مثل حساب الزكاة بالتأريخ الميلادي، فلا بد من إخراج القدر الزائد من المال الزكوي المقابل للزمن الزائد من التقويم الشمسي، لأن المعتبر في إخراج الزكاة هو التأريخ الهجري لا الميلادي. كما نص أهل العلم على أنه متى احتيج إلى معرفة السنة الشمسية، من أجل تنظيم مواسم الزراعة أو المهنة أو الاكتساب أو الدراسة فيؤخذ بالتقويم الشمسي الذي يسير على سير البروج الاثني عشر التي ذكرها الله تعالى مجملاً في قوله تعالى: "وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجاً"، وعرفها الحُسّاب وعلماء الفلك بالمشاهدة، ففي معرفتها ما يكفي عن الاحتياج إلى التاريخ الميلادي، أو ربطها به، مثل أن يقال يبدأ العام الدراسي كل عام ببرج الميزان أو يبدأ موعد الحصاد في برج الحمل كل عام فهذا من الاستفادة العامة للمواسم ولا صلة له ببحث التأريخ الهجري أو الميلادي. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم {وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ - وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ - وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ - لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ}. الخطبة الثانية: إن في تعاقب الشهور والأعوام وتوالي الليالي والأيام أعظم عبرة وعظة، لمن أراد الله له أن يذكر أو أراد شكورا، (تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيها سِراجاً وَقَمَراً مُنِيراً (61) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُوراً) ، إنا لنفرح بالأيام نقطعها وكل يوم مضى يدني من الأجل فاعمل لنفسك قبل الموت مجتهداً فإنما الربح والخسران في العمل
إظهار التعليقات
التعليقات
أضف تعليق
الإســـــــــــــــــــم :
البريد الالكترونى :
التعليــــــــــــــــق :
اكتب كود التحقق
5118
تعليقات فيس بوك

مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء