\مقالات\المكتبة المقروءة

العزاء في المقبرة بين الاتباع والابتداع

suhaiban.com/index-ar-show-3056.html

العزاء في المقبرة بين الاتباع والابتداع
مشاهدات : 4289

الاثنين 04 صفر 1437 هـ - الاثنين 16 نوفمبر 2015 م

إن مصيبة موت القريب أو الحبيب من أعظم المصائب التي تحزن القلب، وتجلب الكدر، وتدمع العين، وإن من فضل الله على المسلمين أن شرع لهم التعزية فيما بينهم، والتعزية تصبير من أصيب بمن يعزّ عليه، وهي مشروعة باتفاق علماء المسلمين، وليس في التعزية شيء محدود يتعبد الناس بقوله، بل كل ما يعين على التصبير والتسلية من القول الطيب فهو حسن، كما أنه ليس في وقت التعزية زمن محدود، فتجوز في كل وقت قبل الدفن وبعده، ما دام المصاب يجد ألم المصيبة، وكذلك ليس في مكان التعزية موضع محدود، بل تجوز في كل موضع في البيت والمسجد والطريق، ولم يرد في الشريعة منع من ذلك، ولا تحديد له، غير أنه جاء النهي عن الاجتماع الذي يقصد منه النياحة على الميت. أما العزاء في المقبرة فمحل خلاف بين أهل العلم، والذي صرح به فقهاء الحنفية والمالكية وهو رواية عند الحنابلة فيمن لم يعزّ، هو كراهة التعزية في المقبرة، وفي رواية أخرى عند الحنابلة جواز التعزية في المقبرة. والراجح من هذين القولين جواز التعزية عند القبر وفي المقبرة، ويمكن أن يستدل بما ثبت في صحيح البخاري من أن النبي صلوات الله وسلامه عليه قال للمرأة التي تبكي عند القبر:" اتقي الله واصبري". فالمقبرة كغيرها من الأماكن التي تجوز فيها التعزية، والذين كرهوا العزاء في المقبرة من أهل العلم ذكروا لذلك أوجهاً وعللاً، وحتى يجمع بين قولي أهل العلم فإن الكراهة تكون حيث وجدت العلة التي يذكرها من قال بالكراهة، ولعلي هنا أذكر بعض تلك العلل التي وقفت عليها، والتي إذا وجدت فالقول بكراهة التعزية في المقبرة أقرب من الجواز، بل ربما كان القول بتحريم العزاء في المقبرة ليس بعيداً، فمن ذلك: أولاً : أن الناس في المقبرة إذا انشغلوا بالتعزية وتركوا الدعاء للميت فقد تركوا السنة، وتركوا ما ينفع الميت وهو الدعاء له في وقت هو أحوج ما يكون لدعائهم، والمطلوب في المقبرة الدعاء للميت بالمغفرة، وسؤال الله له التثبيت. ثانياً : قالوا : إن التعزية عند القبور من سوء الأدب، وهذا ظاهر في بعض الحالات التي يكون فيها العزاء في المقبرة أشبه بالمراسم والطقوس، التي يتسابق الناس عليها، وكأنهم لم يحضروا للمقبرة إلا لأجل العزاء فقط. ثالثاً: نقل بعض الفقهاء عن إبراهيم النخعي رحمه الله قوله: "التعزية عند القبر بدعة". والبدعة كما هو معلوم الأمر المخترع المحدث في الدين، ووصف التعزية في المقبرة بهذا الوصف مطلقاً لا يستقيم، نعم قد يكون المقصود بهذا النقل إن صح عن النخعي رحمه الله بعض المحدثات في شأن التعزية، كأن يكون العزاء في المقبرة له تنظيم معيّن يلتزمه الناس، في مكانه ووقته أو في هيئته أو فيما يصاحبه من أعمال كقراءة أو أدعية أو نحو ذلك، وهذا بلا شك لم ينقل عن السلف الصالح أنهم التزموه، ويخشى أن يكون ذلك طريقاً إلى تقليد غير المسلمين بجعل مراسم للعزاء، في المكان والزمان، وربما في الحال والطريقة، فإذا كان إحداث ذلك سيؤدي إلى ما ذكر مع مرور الزمن فيمنع سداً للذرائع واعتباراً للمآلات. ولعل بعض الناس يقصد من جعل العزاء في المقبرة فقط، وإعلان ذلك للناس، حمل الناس على الحضور للمقبرة للصلاة على الميت، وهذا القصد قصد في غير محله، فإن الصلاة الأولى على الميت التي تكون في المسجد والتي يسقط بها الفرض الكفائي أفضل، أما الصلاة الثانية في المقبرة فهي تكرار للصلاة، وحكمها محل خلاف، وبهذا يظهر ضعف هذا القصد شرعاً، ومثل ذلك قصد عدم استقبال الناس للعزاء في البيت، فإن القول الراجح جواز التعزية في البيوت، ما لم يصاحب ذلك نياحة، بصنع الولائم من قبل أهل الميت. وأخيراً : فإن العزاء في المقبرة في مجتمعاتنا اليوم يشبه أن يكون مراعاة لحق أهل الميت فقط، وهذا ربما أثر في نيّة من اتبع الجنازة إلى المقبرة، فلا ينوي غير العزاء، وينسى نيّة نفع أخيه الميت المحتاج إلى دعائه واستغفاره، بل ربما لا يذهب للقبر ولا يقترب منه، ولو تصور من يفعل ذلك أنه هو الميت لكان الأحب إليه وقوف الناس عند قبره ودعاؤهم له، بدلاً من ذهابهم إلى أهله للتعزية، والمؤمن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، والوقوف عند القبر حال الدفن وبعده هو هدي النبي صلوات الله وسلامه عليه فقد كان صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه فقال: "استغفروا لأخيكم، وسلوا له التثبيت، فإنه الان يسأل ". والحديث إسناده جيد، ويدل لذلك أيضاً ما رواه مسلم عن عمرو بن العاص في خبر موته وأنه قال لهم: " ثمَّ أقِيمُوا حول قَبْرِي قدر مَا تنحر جزور وَيقسم لَحمهَا حَتَّى أستأنس بكم وَأنْظر مَاذَا أراجع بِهِ رسل رَبِّي"، فالقيام عند القبر والدعاء للميت سنة نبينا صلى الله عليه وسلم، وهو هدي من بعده من الصحابة والسلف الصالح، وفي تقدير وقت الوقوف كلام لأهل العلم واجتهاد، والدليل الثابت عنه صلى الله عليه وسلم إنما هو وقوف للدعاء والاستغفار، من غير تقدير، وكلما كان الميت أقرب كان حقه بهذا الوقوف والدعاء أعظم. ولذلك فإن انشغال أهل الميت بأمر العزاء في هذا الوقت وإشغالهم بالتعزية، وتركهم السنة بالدعاء للميت، وكذا انشغال المتبعين للجنازة بهذا الأمر وتركهم الدعاء للميت، كل ذلك أقرب للابتداع منه للاتباع . والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

وكتبه

أ.د . عبدالله بن عمر بن محمد السحيباني

أستاذ الفقه في كلية الشريعة بالقصيم

إظهار التعليقات
التعليقات
أضف تعليق
الإســـــــــــــــــــم :
البريد الالكترونى :
التعليــــــــــــــــق :
اكتب كود التحقق
3852
تعليقات فيس بوك

مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء