\برنامج لبيك\المكتبة المقروءة

الحلقة العاشرة : أفعل ولا حرج

suhaiban.com/index-ar-show-309.html

الحلقة العاشرة : أفعل ولا حرج
مشاهدات : 1386

السبت 21 صفر 1436 هـ - السبت 13 ديسمبر 2014 م

ما هو مفهوم حديث افعل ولا حرج؟

دين الإسلام هو دين الله الذي ارتضاه لخلقه وإليه دعا الأنبياء والمرسلون، (أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السموات والأرض طوعاً وكرهاً وإليه يرجعون)، فلا يقبل من أحد ديناً سواه من الأولين والآخرين، (ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين) .

وحكم سبحانه بأنه أحسن الأديان ولا أحسن من حكمه ولا أصدق منه قيلا، (ومن أحسن ديناً ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفاً واتخذ الله إبراهيم خليلا).

ولقد كان من مقاصد شرعه وأصول دينه العظام: رفع الحرج عن العباد، والتيسير ودفع المشاق، ووضع الآصار والأغلال التي كانت على الأمم في سالف الأزمان، (ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم) وكان من دعاء رسوله عليه أتم صلاة وأكمل سلام الوارد في القرآن : (ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا) ، جاء في صحيح مسلم :"أن الله تعالى قال: (قد فعلت)، فله جل في علاه عظيم الحمد والثناء، ووافر الإحسان والجزاء.     نقف مع التقرير...

1 - رفع الحرج من أصول بعثته صلى الله عليه وسلم

(ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم) آية كريمة ترسم ملامح الرسالة من خلال صفات نبيها، هذا النبي الخاتم الذي بشر به الأنبياء، وأخذ العهد عليهم بالإيمان به ونصره، ووصف بأنه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويحل الطيبات ويحرم الخبائث، ويضع عنهم الإصر والأغلال، أي: التكاليف الغليظة التي كانت تكبلهم الشرائع السابقة بها.

إنه تصوير لحالة الضيق والمشقة التي أماطتها هذه الشريعة بالسماحة واليسر.

فالإصر:هو العهد الثقيل. وكل ثقيل فهو إصر؛ لأنه يأصر صاحبه، أي: يحبسه عن الحركة.

أما الأغلال: فجمع غُل بالضم، وهو جامعة الحديد تكون في العنق واليدين. «وقد تكرر ذكرها في القرآن والسنة، ويراد بها التكاليف الشاقة والأعمال المتعبة»

إنه تصوير ناطق يُقدم إلى السامع صورة شخص مكبل بأغلال حديدية، وهو يحمل على كاهله حملًا ثقيلًا ينوء به! فكيف يقوم بوظيفة الاستخلاف؟ إلى أن امتن ـ عليه برسالة النبي الخاتم عليه الصلاة والسلام، فكانت كلمة «يضع» هي المفتاح لفك كبله وإماطة الحمل عن ظهره، فلا غل في الشريعة ولا إصر في الحنيفية السمحة.

2 - الأدلة على رفع الحرج في الشريعة:  النصوص في هذا متظافرة، والأدلة فيه متكاثرة، حتى قال الشاطبي: «الأدلة على رفع الحرج في هذه الأمة بلغت مبلغ القطع»،  ولو ابتغينا تتبعها لطال بنا المقام، ولكن في الإشارة غنية عن العبارة.

قال تعالى: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) [البقرة: 185]، وقال: (يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفاً) [النساء: 28]، وقال: (وما جعل عليكم في الدين من حرج) [الحج: 78]، وقال: (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها) [البقرة: 286].

وفي سنة رسوله  صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ  مواضع عديدة، ومواقف مختلفة، قولية وفعلية، تدل على هذا الأصل العظيم.  فجاء في صحيح مسلم أن رسول الله  صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ  قال: (إن الله لم يبعثني معنتاً ولا متعنتاً، ولكن بعثني معلماً ميسراً). وأخرج الشيخان: أن النبي  صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ  لما بعث معاذاً وأبا موسى إلى اليمن قال: (يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا، وتطاوعا ولا تختلفا). وأخرج البخاري  من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي  صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ  قال: (إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا، وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة). وأخرج الشيخان عن عائشة زوج النبي   صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ  أنها قالت: «ما خير رسول الله  صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ  بين أمرين إلا أخذ أيسرهما، ما لم يكن إثماً، فإن كان إثماً؛ كان أبعد الناس منه».

2- رفع الحرج والتيسير مقصد أعلى من مقاصد الشريعة.

مما سبق من النصوص يتبين أن التيسير وفع الحرج مقصد من مقاصد التشريع ، وقد في الحديث (أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة)، وقد بوّب الإمام البخاري على ذلك فقال: كتاب الإيمان، باب الدين يسر. وقوله : (أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة).

وقال الشاطبي: «وقد سمى هذا الدين الحنيفية السمحة؛ لما فيها من التسهيل والتيسير»

ولهذا نص غير واحد من الأئممة على أن «كل أمر من الله تعالى لنا فهو يسر، وهو رفع الحرج، وهو التخفيف » وقال عبدالرحمن بن سعدي في التفسير: «فأصل الأوامر والنواهي ليست من الأمور التي تشق على النفوس، بل هي غذاء للأرواح، ودواء للأبدان، وحمية عن الضرر، فالله تعالى أمر العباد بما أمرهم به رحمة وإحساناً، ومع هذا إذا حصل بعض الأعذار التي هي مظنة المشقة حصل التخفيف والتسهيل».

وليس التيسير ورفع الحرج قاعدة فقهية فقط عبر عنها الفقهاء بقولهم: «المشقة تجلب التيسير». وقول الشافعي /: «الأمر إذا ضاق اتسع» إلى غير ذلك من العبارات التي تصب في هذا الجدول، بل رفع الحرج والتيسير مقصد أعلى من مقاصد الشريعة.

4 - وعلى هذه الشاكلة القول بالأخف:  ذكر جماعة من أهل العلم أن  من قواعد الشريعة أن يستدل بخفة أحد الأمرين المتعارضين على أن الصواب فيه، أو كما قال.استدلالاً بحديث: «ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا»، وبناء على هذا المقصد رجح العلماء في قضايا الخلاف التيسير على مر الزمان، إذا ظهر أن القول الراجح يؤدي إلى إعنات ومشقة، وعدلوا عن القياس وخصصوا عموم النصوص، فالقاعدة أن «غلبة المشقة مسقطة للأمر»، قال عليه الصلاة والسلام: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك»

5 - من رفع الحرج وجود الخلاف الفقهي : وسع الله على الأمة بوجود الخلاف الفروعي فيهم، فكان فتح باب للأمة للدخول في هذه الرحمة، فكيف لا يدخلون في قسم إلا من رحم ربك [هود:119]، فاختلافهم في الفروع كاتفاقهم فيها، والحمد لله»

قال ابن عابدين «وعلم بأن الاختلاف من آثار الرحمة، فمهما كان الاختلاف أكثر كانت الرحمة أوفر»-: «وهذا يشير إلى الحديث المشهور على ألسنة الناس، وهو: «اختلاف أمتي رحمة». رواه البيهقي بسند منقطع عن ابن عباس ، ونقل السيوطي عن عمر بن عبدالعزيز أنه كان يقول: «ما سرني أن أصحاب محمدلم يختلفوا؛ لأنهم لو لم يختلفوا لم تكن رخصة».

وأخرج الخطيب أن هارون الرشيد قال لمالك بن أنس: يا أبا عبدالله! نكتب هذه الكتب -يعني: مؤلفات الإمام مالك- ونفرقها في آفاق الإسلام لنحمل عليها الأمة. قال: «يا أمير المؤمنين! إن اختلاف العلماء رحمة من الله تعالى على هذه الأمة، كل يتبع ما صح عنده، وكلهم على هدى، وكل يريد الله تعالى».

إذا تقرر ما تقدم من جواز الاختلاف بين أهل الحق، فاعلم أن هذا الاختلاف قد يكون سببًا للتيسير والتسهيل، وبناءً عليه: يوجد في المذاهب كلها العدول عن القول الراجح إلى قول مرجوح، لجلب مصلحة ترجحت، أو درء مفسدة، أو دفع مشقة عرضت.

رفع الحرج ليس مسوغا للتساهل : وإسقاط التكاليف عن المكلفين، وتتبع الرخص، وإشاعتها بين العوام، والفتيا بشاذ الأقوال، وإنما يكون تحقيق هذا المقصد باتباع الكتاب والسنة في هذا، وبذلك يحصل التيسير، ويرتفع الحرج، وتندفع المشقة بين الناس

أبرز أحكام التيسير ورفع الحرج في الحج ؟

 1 - التصريح برفع الحرج من الشارع فيمن خالف أفعاله في الحج بقوله: «افعل ولا حرج». دليل لملاحظة مقصد التيسير في الحج، بالإضافة إلى كونه مقصدًا عامًّا في كل مناحي التشريع الإسلامي بالنصوص التي ذكرناها سلفًا، إلا أنه تجدر الإشارة إلى قوله تعالى في آخر آية في سورةالحج بعد أن ذكر أن الحج من أهم موروث من ملة أبينا إبراهيم: ( وما جعل عليكم في الدين من حرج)  [الحج:78].

2- إن الحج عبادة قرنت بالاستطاعة نصًّا، مع أن كل العبادات يشترط لوجوبها الاستطاعة، قال تعالى: ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا، وجاء في الحديث: «وحج البيت من استطاع إليه سبيلًا»تشير إلى إرادة التيسير وعدم الإعنات.

3- إن الحج في كثيرٍ من أحكامه مبني على التخيير، والتخيير أساس التيسير، فالحج وقته متسع، فهو واجب على التراخي عند بعض العلماء كالشافعية والمغاربة من المالكية، ويشرع فيه بإحرام بواحد من ثلاثة أنساك على سبيل التخيير، وهي: التمتع والقران والإفراد.

وكذلك التخيير في الفدية: ففدية من صيام أو صدقة أونسك.

4- إن بعض أفعال الحج المختلف فيها بالتقديم والتأخير، كالرمي، لا يوجد بخصوصها دليل قولي من الشارع، وإنما تدخل تحت دلالة الفعل، ودلالة الفعل دلالة ضعيفة، وإن كان مستندًا إلى قوله «خذوا عني مناسككم» مسلم ، ومعلوم أن أفعاله في الحج منها الواجب والمسنون والجائز، فيبقى الاحتمال قائمًا في تعيين أي منها، فقد حج راكبًا، وهو أمر جائز، وقد رتب الرمي والحلق والإفاضة، وقد ثبت عنه رفع الحرج عمن خالف الترتيب.  وقد سمح لذوي أعذار خفيفة بترك المبيت بمنى، وبجمع الرمي في يوم واحد. إلى غير ذلك من الرخص .

وعدمُ وجود بيان قولي مما يقرب المسألة من منطقة العفو لاحتمال أن يكون فعله محمولًا على الأفضلية، دون الوجوب، ولهذا يمكن الأخذ بالقول الأخف رعاية لرفع الحرج والمشقة عن الناس، إذا كان لذلك مستند من أصول الشرع.

إظهار التعليقات
التعليقات
أضف تعليق
الإســـــــــــــــــــم :
البريد الالكترونى :
التعليــــــــــــــــق :
اكتب كود التحقق
6744
تعليقات فيس بوك

مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء