\برنامج لبيك\المكتبة المقروءة

الحلقة الحادية عشرة : الحج والتربية والصبر

suhaiban.com/index-ar-show-310.html

الحلقة الحادية عشرة : الحج والتربية والصبر
مشاهدات : 1195

السبت 21 صفر 1436 هـ - السبت 13 ديسمبر 2014 م

علاقة الحج بالتربية

وقفات إيمانية وروحية، وعلمية وتربوية ، مع بعض الدروس والعبر التي نتعلمها في مدرسة الحج، وإن شئت فقل "جامعة الحج"، ننهل منها إشارات وإضاءات تبين روح الإسلام وعظمته، وعظمة الخالق سبحانه وحكمة مالك الملك، ورحمة الرحمن الرحيم. وهي من المنافع التي أخبر الله عنها بقوله "لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ".

ولعل من أبرز تلك الدروس التربوية وتتبع ذلك يطول جدا ما يلي:

أولاً: كمال توحيد الله عز وجل وعبادته وطاعته :والتزام ذلك منهجا في الحياة.

إن أعظم مقصود وغاية لبناء البيت وإيجاب قصد الناس إليه من أرجاءِ المعمورة لإذكاءِ شعيرةِ توحيد العبادةِ وخلوصها لله سبحانه لا شريكَ له، "وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ" والمتأمل للأعمال والأذكار التي يقوم بها الحاج خلال رحلة الحج يجد أنه يلهج بتوحيد الله _عز وجل_ من أول منسكه إلى نهايته كما في حديث جابر _رضي الله عنه_ في وصف حجة النبي _صلى الله عليه و سلم_ قال :" فأهل بالتوحيد : لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ، إن الحمد و النعمة لك و الملك لا شريك لك لبيك" رواه مسلم .

ثانياً : الاقتداء و التأسي بالنبي _صلى الله عليه وسلم_:

مدرسة الحج تربي الفرد والمجتمع المسلم على الاقتداء بالنبي _صلى الله عليه وسلم_ فالحاج يربي نفسه على متابعة هدي النبي _صلى الله عليه وسلم_ في جميع شؤون الحياة فإن متابعة الحاج لهدي النبي _صلى الله عليه وسلم_ في مناسك الحج استجابة لقوله _صلى الله عليه وسلم_ :" خذوا عني مناسككم" تربية للحاج أن يلتزم هدي النبي _صلى الله عليه وسلم_ في جميع ما يأتي و ما يذر.

ثالثاً: زيادة التقوى ومراقبة الله تذكر الآخرة والزهد في الدنيا، هذه المعاني نجدها متمثلة في مشاعر الحج، بل إن الله _تعالى_ أمر بالتقوى في سياق آيات الحج، فقال _تعالى_: "وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ" ، مما يحمل المسلم الحاج على مراقبة الله العظيم مراقبة ذاتية داخلية من قبل النفس فكل عمل يعمله يعلمه الله ، وقد نهاه الله _عز وجل_ عن الرفث والفسوق والجدال تربية وتهذيباً لسلوكه "الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ" ، فمن بداية الحج إلى تمامه والمسلم يراقب الله تعالى ويلزم التقوى فلا يقترب من محظورات الإحرام، وإن وقع منه خطأ فإنه يسأل ويكفر عن هذا المحظور خوفاً من نقصان العمل ومراقبة لله سبحانه.

رابعاً : الوحدة الإسلامية:

مدرسة الحج تربي الفرد و المجتمع و الأمة و العالم الإسلامي على مبدأ من أعظم مبادئ هذا الدين ألا و هو مبدأ الوحدة الإسلامية فالحاج يدرك أن الحج شعار الوحدة، فإن الحج جعل الناس سواسية في لباسهم وأعمالهم وشعائرهم وقبلتهم وأماكنهم، فلا فضل لأحد على أحد: الملك والمملوك، الغني والفقير، الوجيه والحقير، الكل في ميزان واحد.

فالناس سواسية في الحقوق والواجبات، وهم سواسية في هذا البيت لا فضل للساكن فيه على الباد والمسافر، فهم كلهم متساوون في البيت الحرام، لا فرق بين الألوان والجنسيات، وليس لأحد أن يفرق بينهم. وحدة في المشاعر ووحدة في الشعائر، وحدة في الهدف، وحدة في العمل، وحدة في القول "الناس من آدم، وآدم من تراب لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى" أكثر من مليوني مسلم يقفون كلهم في موقف واحد، وبلباس واحد، لهدف واحد، وتحت شعار واحد، يدعون رباً واحداً، ويتبعون نبياً واحداً.. وأي وحدة أعظم من هذه" . هذه الوحدة ينبغي أن تنتج

خامساً : الجسد الواحد: يربيتا الحج على أن المسلمين في كل صقع من أصقاع الأرض مهما شطت بهم الديار و اختلقت الأوطان فهم جسد واحد..عن النعمان بن بشير _رضي الله عنه_ قال : قال _صلى الله عليه وسلم_ :" مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" رواه البخاري و مسلم.تأتي مدرسة الحج لتزيل العزلة الشعورية التي يعيشها المسلمون حيال قضاياهم و مشاكلهم و آمالهم و آلامهم.

 ويبقى دروس أخرى ومنافع لأهل الإسلام نقف معها بعد هذا التقرير....

ثامناً: تربية النفس و ترويضها على الصبر و تحمل المشاق :

علاقة الحج بالصبر ؟

من أظهر الدروس التي تتضح بجلاء في مدرسة الحج التربية على الصبر وتحمل المشاق في سبيل مرضاة الله قال تعالى:" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ".

والصبر من خير ما يوفق له المؤمن، فعن أبي سعيد الخدري قال : قال صلى الله عليه وسلم:" ما أُعطي أحد عطاءً خيراً وأوسع من الصَّبر" رواه الخمسة.

 و قال عمر بن الخطاب _رضي الله عنه_: وجدنا خير عيشنا بالصبر.

وقال ابن قيم الجوزية _رحمه الله_ : "إن الله سبحانه جعل الصبر جواداً لا يكبو و صارماً لا ينبو و جنداً لا يهزم و حصن حصيناً لا يهدم و لا يثلم".

ولذلك تجتمع في الحج أنواع الصبر الثلاثة .... ويمكن أن ندرك بعض تلك المعاني

أولاً : الصبر على الطاعة، والتقيد  بأداء العبادة على أكمل وجه وأحسن صورة، ولذلك قال _تعالى_: " فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ ".

ثم في تربية على الطاعة للنظام والترتيبات ، التي يجعلها ولاة الأمر، وأن هذا من ذات الإسلام وليس من خصائص ديار الكفر.

وثانياً : الصبر عن المعصية والتقيد بما قيده الشرع وحدده، ويظهر هذا من خلال المواقيت وتحديدها وعدم تعديها، وعدم إتيان شي من المخالفات والمحذورات حتى لو كانت النفس تشتهيها، ولذلك يتربى المسلم على قهر النفس عما تشتهي ما دام الشرع يحرمه، فالطيب وتغطية الرأس وجميع المحظورات يتركها المسلم مع شهوته لها لا لشيء إلا لأجل تحريم الشرع إياها.

وثالثاً: الصبر على الأمور المؤلمة مما يأتي قدراً ، ولهذا في الحج يتربى المسلم على التكيف في حال تغير العادة، والوضع الذي تعود عليه الإنسان. ثم التربي على الجانب الاحتسابي في تلك المشقة والتكاليف جاء في الصحيحين عن عائشة «إن لك من الأجر على قدر نصبك ونفقتك»  وأخرج مسلم عن جابر، قال: كانت دارنا نائية من المسجد، فأردنا أن نبيع بيوتنا فنقترب من المسجد، فنهانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: ((إن لكم بكل خطوة درجة)) .

قال النووي:(ولكنها على قدر نصبك أو قال نفقتك) هذا ظاهر في أن الثواب والفضل في العبادة يكثر بكثرة النصب والنفقة والمراد النصب الذي لا يذمه الشرع وكذا النفقة.

فتح الباري لابن حجر: وهو كما قال لكن ليس ذلك بمطرد فقد يكون بعض العبادة أخف من بعض وهو أكثر فضلا وثوابا بالنسبة إلى الزمان كقيام ليلة القدر وبالنسبة للمكان كصلاة ركعتين في المسجد الحرام.

ولهذا قال ابن القيم : أن الأجر إنما هو مترتب على تفاوت المصالح لا على تفاوت المشاق لأن الله سبحانه وتعالى لم يطلب من عباده المشقة والعناء وإنما طلب جلب المصالح ودفع المفاسد وإنما قال أفضل العبادة أحمزها أي أشقها وأجرك على قدر نصبك لأن الفعل إذا لم يكن شاقا كان حظ النفس فيه كثيرا فيقل الإخلاص فإذا كثرت المشقة كان ذلك دليلا على أنه جعل خالصا لله عز وجل فالثواب في الحقيقة مرتب على مراتب الإخلاص لا على مراتب المشقة.

رابعاً: الثقة بنصر الله للإسلام والمسلمين : فمدرسة الحج تزرع في النفس الثقة بنصرة الدين و التمكين له و أنه مهما طال ليل الباطل فإن فلق الصبح وفجره قريب.، وما تجمع العدد الغفير من المسلمين في أيام الحج من كل فج عميق إلا بشارة بفجر جديد قريب لعز الإسلام والمسلمين، وتزداد ثقته ويقوى يقينه بنصر الله للإسلام و المسلمين، و أن المستقبل لهذا الدين، "هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ" قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:" لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الْأَمْرُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَلَا يَتْرُكُ اللَّهُ بَيْتَ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ هَذَا الدِّينَ بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ عِزًّا يُعِزُّ اللَّهُ بِهِ الإسْلامَ وَذُلًّا يُذِلُّ اللَّهُ بِهِ الْكُفْرَ" رواه أحمد، وعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عَنْ النَّبِيِّ _صلى الله عليه وسلم_ قَالَ:"بَشِّرْ هَذِهِ الْأُمَّةَ بِالسَّنَاءِ وَالنَّصْرِ وَالتَّمْكِينِ فَمَنْ عَمِلَ مِنْهُمْ عَمَلَ الْآخِرَةِ لِلدُّنْيَا لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي الْآخِرَةِ نَصِيبٌ" رواه أحمد وابنه عبد الله في زوائده والحاكم، وقال: صحيح، ووافقه الذهبي وصححه الألباني.

خامساً : التربية على الأخلاق الفاضلة: الحج مدرسة للتربية على الأخلاق الفاضلة من الحلم و العفو و الصفح و التسامح و الإيثار و الرحمة و التعاون و الإحسان و البذل و الكرم و الجود، فهي رحلة تسفر عن أخلاق الرجال و تسهم إسهاماً عظيماً في تعديل السلوك السيئ إلى الحسن، فكم من حاج عاد من رحلة حجه بوجه غير الذي ذهب به قال _تعالى_ :" الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ". وفي قوله تعالى (ولا جدال)

سادسا :التربية للناس عملية على فقه الخلاف، ويظهر هذا من خلال ما يلي:

أ ـ اختلاف الناس في أنواع النسك.           ب ـ اختلاف الناس في أعمال يوم النحر.

ج ـ اختلاف الناس في الذكر حال الانصراف من منى إلى عرفة، "منا الملبي ومنا المكبر".

 د ـ اختلاف الناس حال الانصراف من مزدلفة إلى منى من حيث العجز وعدمه.

 هـ ـ اختلاف الناس حال التعجل من مكة أو التأجيل.

و-اختلاف الناس حال التقصير أو الحلق.

فكل هذه مواقف تربوية للناس على فقه التعامل مع الخلاف والمخالف، ولم ينقل لنا أن الصحابة دار بينهم نقاش واتهام في سبب اختيار نسك على آخر، ولو كان المختار نوعاً مفضولاً وليس فاضلاً.

تيسيراً لا تعسيراً:

اليسر والسهولة ورفع المشقة سمة من سمات دين الإسلام، وتظهر صور ذلك بينة في الحج، ففي الحديث المتفق عليه عن عبد الله بن عمرو بن العاص _رضي الله عنه_ عندما وقف النبي _صلى الله عليه وسلم_ في حجة الوداع بمنى للناس يسألونه. قال: فما سئل النبي _صلى الله عليه وسلم_ عن شيء قدّم ولا أخّر إلا قال: افعل ولا حرج، وكذلك الرخصة لذوي الأعذار كما أذن النبي _صلى الله عليه وسلم_ للعباس بن عبد المطلب _رضي الله عنه_ أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته، والإذن للضعفة من النساء والصبيان بالإفاضة من مزدلفة ليلاً ورمي جمرة العقبة قبل وقتها، وغير ذلك من شواهد التيسير والبعد عن التعسير على الحجاج، بل إن التخيير عند الأمر فيه من التيسير والتسهيل الشيء الكبير، فأنت مخير في حجك بين التمتع والقران والإفراد، ومخير بين الحلق والتقصير، ثم أنت مخير في التعجل أو التأخر نهاية الحج.

ذاتية التربية والمراقبة ولزوم التقوى:

إن من أوضح ما يراه من يتأمل في الحج ذلك التنظيم الدقيق وإلزام الحاج بالانضباط والجدية، فمن بداية رحلة الحج المباركة إلى نهايتها نجد حدوداً واضحة مكانية وزمانية، فالحدود المكانية هي مواقيت الحج المحددة التي لا يجوز تجاوزها لمن أراد الحج من غير أهل مكة، وكذلك أماكن الطواف والسعي وغيرها، أما الحدود الزمانية مما حدد من المناسك بوقت معين كالوقوف بعرفة والخروج منها والمبيت بمزدلفة ورمي الجمار وغير ذلك، ومن التنظيم الملاحظ في الحج إلزام الجميع لباساً واحداً له صفة معينة، وكذا بيان المحظورات التي تخل بالإحرام.

كل هذه حدود من الشارع _عز وجل_ "تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ" (البقرة: من الآية229)، وقال _تعالى_: "وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ" (الطلاق: من الآية1)، وبوب البخاري في كتاب الحج "باب أمر النبي _صلى الله عليه وسلم_ بالسكينة عند الإفاضة وإشارته إليهم بالسوط" وفيه أنه لما دفع النبي _صلى الله عليه وسلم_ يوم عرفة سمع من ورائه زجراً شديداً وضرباً وصوتاً للإبل فأشار بسوطه إليهم، وقال: أيها الناس عليكم بالسكينة فإن البر ليس بالإيضاع – أي الإسراع – فانظر أخي الكريم إلى هذه المعاني العظيمة التي يُربى عليها المسلم في الحج من حب النظام والانضباط وتقوية روح الجدية فيرجع المسلمون إلى أهليهم بهذه المعاني التربوية القيمة.

التنظيم والانضباط والجدية:

التآلف والتعارف بين المسلمين والعطف المتبادل:

في أيام الحج تظهر أجمل وأردع معاني الأخوّة، ونكون كما أخبر المصطفى _صلى الله عليه وسلم_ "المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً".

والحج تربية للتآلف والتعارف والتواد والتقارب بين المسلمين لا فضل بيننا إلا بالتقوى، والله _تعالى_ يقول في سورة الحج: "لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ" (الحج:28)، وقال _سبحانه_: "فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ" (الحج: من الآية36)، نعم يعلّم الله عباده ويربي حجاج بيته أن يتساعدوا ويتعاونوا ويعطف بعضهم على بعض ويطعم الغني الفقير ويساعد القوي الضعيف لترسخ بعد ذلك معاني مهمة في التكاتف والتعاون.

تكريم المرأة وصيانتها:

المرأة، وما أدراك ما المرأة؟ اتخذها مَن في قلبه مرض طريقاً لمقاصدهم الضالة وسلماً لأمنياتهم المشبوهة في إفساد المجتمع وتغريب الأمة فزعموا – جاهلين أو متجاهلين – ظلم المرأة وإهانتها وبخسها حقوقها وحريتها في المجتمع المسلم، وإنا نقول بأعلى الأصوات: لا يوجد دين أو ملة أو قانون أعطى المرأة حقوقها وكرمها ورفعها وصانها إلا الإسلام ولا فخر، حتى تمنى بعض نساء الغرب أن يعشن حياة المرأة المسلمة في مكانتها وعفتها وسعادتها بتربية أبنائها وعزها بحجابها لما قاست المرأة الغربية الكافرة من ظلم وإهانة واحتقار، وفي الحج صور متعددة من تكريم المرأة ورعايتها وصيانتها، فعندما قام ذلك الرجل، وقال: يا رسول الله اكتتبت في غزوة كذا وكذا وخرجت امرأتي حاجة؟ فقال رسول الله _صلى الله عليه وسلم_: "اذهب فحج مع امرأتك".

ولما لم يلزم الإسلام المرأة بالجهاد حفاظاً عليها وتقديراً لضعفها أبدلها الله مكانه الحج والعمرة، فعن عائشة _رضي الله عنها_ أنها قالت: قلت: يا رسول الله، على النساء جهاد؟ قال: "نعم عليهم جهاد لا قتال فيه الحج والعمرة" رواه أحمد وابن ماجة، وتأمل معي – أخي الكريم – ما ورد في الحديث المتفق عليه أن عائشة _رضي الله عنها_ قالت:" دخل عليَّ رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ وأنا أبكي، فقال: ما يبكيك يا هنتاه؟ قلت: سمعت قولك لأصحابك فمنعت العمرة. قال: وما شأنك؟ قلت: لا أصلي. قال: فلا يضيرك! إنما أنت امرأة من بنات آدم كتب الله عليك ما كتب عليهن فكوني في حجتك فعسى الله أن يرزقكيها". أليس في هذا تكريم للمرأة وسؤال عن حالها وتطييب لخاطرها واهتمام بشؤونها ويا ليت قومي يعلمون هذا! ليتهم يدركون ما في الالتزام بمنهج الإسلام في التعامل مع المرأة ورعايتها في كنفه من حفاظ على أخلاقيات المجتمع وصيانة للأمة من كل أنواع الفساد الاجتماعي والتربوي والأخلاقي، الذي يعيشه العالم المادي اليوم ونراه عياناً هنا وهناك.

ومما يستفاد من الحج أيضاً التعويد على ذكر الله ودعائه، 

سادساً : ذكر الله:

مدرسة الحج تربي الحاج على ذكر الله، فالذكر هو أول المقاصد التي أرادها الله من عبادة الحج، قال _تعالى_: " وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات". ورحلة الحج من بدايتها إلى نهايتا ذكر لله _عز وجل_ فالحاج يذكر الله بالتلبية، و خلال الطواف، وخلال السعي، و يصعد الحاج إلى عرفات ليدعو الله ويذكره، فعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي _صلى الله عليه وسلم_ قال :" خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا و النبيون من قبلي: لا اله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير" رواه الترمذي . ويغادر الحاج عرفات إلى مزدلفة، إلى المشعر الحرام ليذكر الله قال _تعالى_: " فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين، ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم" [البقرة:198-199] !

20ـ تربية للناس على الدعاء، ففي المناسك أغلب المواطن السنة فيها أن يدعو المسلم ربه _سبحانه_

إظهار التعليقات
التعليقات
أضف تعليق
الإســـــــــــــــــــم :
البريد الالكترونى :
التعليــــــــــــــــق :
اكتب كود التحقق
6404
تعليقات فيس بوك

مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء