\خطب الجمعة مفرغة\المكتبة المقروءة

خطبة :وقفات مع شدة البرد

suhaiban.com/index-ar-show-3125.html

خطبة :وقفات مع شدة البرد
مشاهدات : 7038

الأحد 02 ربيع الأول 1437 هـ - الاحد 13 ديسمبر 2015 م

الحمد لله اللطيف الخبير؛ لطف بعباده فيما قدره من دقيق الأمر وجله، أحمده سبحانه وأشكره على بيده الخير كله، وأشهد أن لا إله إلا الله أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله؛ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
أما بعد : فاتقوا الله أيها المسلمون حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون.
أيها المسلمون: إن في تقلب الجو بين الحرارة والبرودة حكماً عظيمة، ورحمة من الله ونعمة، ومصالح للبشر والحيوان والشجر، ولو كان الزمان كله فصلاً واحداً لفاتت مصالح الفصول الباقية فيه، فالتناسل يكون في فصول معينة، وأنواع الثمار لا تنضج إلا في فصول معينة، أما الشتاء لأهل العبادة فهو الغنيمة الباردة، صومه يسير، وقيامه يسير، وهو فرصة لتعويد النفس على بعض الفضائل والعبادات بل والواجبات كالانتظام في صلاة الفجر مع الجماعة، فإن ذلك في الشتاء قد يكون أهون لطول الليل.
أيها الإخوة: يذكِّرنا البرد الشديد بزمهرير جهنم -نعوذ بالله منها- فقد جمعت النار مع شدة الحر شدةَ البرد، روى أبو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اشْتَكَتْ النَّارُ إلى رَبِّهَا فقالت: رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا فَأَذِنَ لها بِنَفَسَيْنِ: نَفَسٍ في الشِّتَاءِ وَنَفَسٍ في الصَّيْفِ، فَأَشَدُّ ما تَجِدُونَ من الْحَرِّ وَأَشَدُّ ما تَجِدُونَ من الزَّمْهَرِيرِ) متفق عليه، والبرد الشديد هو الزمهرير، الذي نجى الله منه أهل الجنة -جعلني الله وإياكم من أهلها- (مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً).
أيها الإخوة في الله: لئن كان الحر مؤذياً لبعض الناس، فإن البرد قاتل ومهلك؛ ولذا فإن الضعفاء والمساكينَ يخشون البرد أكثر مما يخشون الحر، والعرب تسمي الشتاء بالفاضح؛ لأنه يفضح الفقير، فلا صبرَ له عليه، بخلاف الحر.
والشتاء في أوله أضر منه في آخره، روي عن بعض السلف :"توقوا البرد في أوله وتلقوه في آخره، فإنه يفعل بالأبدان كفعله في الأشجار، أوله يحرق وآخره يورق". أيها الأحبة الكرام: لنتذكر -ونحن نعيش هذه الأجواء الباردة- نعم الله علينا، وعظيم فضله سبحانه، فالملابس وافرة، والفرش وفيرة دافئة، ووسائل الدفء والتسخين في كل غرفة وناحية، ولله سبحانه الفضل والمنة، فهو الذي يعلم بحاجة العابد للدفء فيسخر لهم ما في الكون لهم، هذه الأنعام سخرها سبحانه ليتخذ الناس من جلودها سرابيل واقية للحر والقر، (وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ) إننا حين نتذكر هذه النعم ونحيطها بشكر المنعم سبحانه نشكره سبحانه بقلوبنا فنقر ونعترف بفضل الله وضعفنا وحاجتنا إليه سبحانه، نشكره سبحانه بألسنتنا فنكثر من حمده والثناء عليه، نشكره بأفعالنا فلا نسرف ولا نفخر، ولا نبخل بفضل الله على المعوزين والمحتاجين والضعفاء والمساكين، الذين يؤذيهم البرد القارس، فيهلكهم أو يمرضهم، المؤمن الصالح الرحيم الكريم يتلمس حاجات إخوانه، بنفسه أو بمن ينوب عنه، في الأحياء الفقيرة، والقرى النائية، يجلب لهم الملابس والفرش والأطعمة، وكل ذلك من شكر نعمة الله تعالى (وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ الله، إِنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)، ثم تذكروا إخواناً لنا ابتلاهم الله بتسلط الجبابرة وطغيان الطغاة، فهاجروا فارين من الموت والظلم، يسكنون في مخيمات وملاجئ هم وأطفالهم ونساؤهم، في حالات صعبة، اجتمع عليهم الجوع والعري، ضعفت قوتهم وقلة حيلتهم، وهانوا على الناس، لا يشكون حالهم إلا إلى الله، هو ربهم ورب المستضعفين، ارحموهم وتصدقوا بما تيسر عندكم عبر الجمعيات الموثوقة التي ترعاها وتشرف عليها مؤسسات الدولة، ومن لم يتيسر له مساعدتهم بماله فليكثر لهم من الدعاء؛ فإن في الدعاء لهم تقوية وتصبير، وهو للداعي أجر وثواب يؤجر على شعوره وإحساسه ودعائه، وتذكروا قول نبيكم صلى الله عليه وسلم "الْمُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا" وقوله "تَرَى الْمُؤْمِنِينَ في تَرَاحُمِهِمْ وَتَوَادِّهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ، إذا اشْتَكَى عُضْوًا تَدَاعَى له سَائِرُ جَسَدِهِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى" .
خراف الأرض يكسوهن عِهنٌ          وتـرفل تحتـه نعـمٌ وشـاء
وللنمل المساكن حيـن يأتـي          عليـه البرد أو جـُنّ المسـاء
وهـذا الآدمـي بغـيـر دار           ولا أرض تـقيـه ولا سمـاء
يصب الزمهريـر عليـه ثلجاً             فتجمد فـي الشـرايين الدمـاء
فـإن حل الشـتاء فأدفئونـي              فـإن الشـيخ آفتـه الشـتـاء
(وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)
الخطبة الثانية: أيها الإخوة: الله لطيف بعباده، حكم سبحانه فقدر، وشرع فيسر، ففي حال شدة البرد المؤذية، تخف الأحكام التكليفية، فالتيمم مشروع عند شدة البرد الذي قد يؤدي للهلاك لو استعمل الماء، وقد أقرَّ النبي عليه الصلاة والسلام عمرو بن العاص لما أجنب في غزاة وتيمم وصلى بالناس.
لكن الترخص بالتيمم ليس لمجرد المشقة فقط، بل عند وجود الضرر وتوقعه، وإلا فإن إسباغ الوضوء على المكاره مما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات كما ثبت في صحيح مسلم، قال أهل العلم: ولا كراهة في تسخين الماء لدفع برده، ليقوى على العبادة، ولا يمنع ذلك من حصول الثواب المذكور.
وفي البرد يكثر لبس الناس للخفاف والجوارب وقد شرع سبحانه لهم المسح على الخفين، وللمؤمن رخصةٌ في لبس القفازين أثناء الصلاة ذكرا كان أم أنثى؛ إذ لا مانع يمنع من ذلك، ويجوز للمصلي تغطيةُ الوجه أو بعضُه بلثام إنْ احتاج لذلك لاتقاء هواء بارد، كما لو صلى في الخلاء؛ زالت الكراهية، وجاز له ذلك.
وإذا كان البرد شديداً والرياح مؤذية والسماء ممطرة، فيباح الجمع بين الظهر والعصر، أو بين المغرب والعشاء، كما تباح الصلاة في البيوت، وتترك الجماعة لأجل ذلك، روى نَافِعٌ أَنَّ ابن عُمَرَ أَذَّنَ بِالصَّلَاةِ في لَيْلَةٍ ذَاتِ بَرْدٍ وَرِيحٍ فقال: ألا صَلُّوا في الرِّحَالِ، ثُمَّ قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يَأْمُرُ الْمُؤَذِّنَ إذا كانت لَيْلَةٌ بَارِدَةٌ ذَاتُ مَطَرٍ يقول ألا صَلُّوا في الرِّحَالِ) رواه الشيخان واللفظ لمسلم.
29/2/1437 هـ

إظهار التعليقات
التعليقات
أضف تعليق
الإســـــــــــــــــــم :
البريد الالكترونى :
التعليــــــــــــــــق :
اكتب كود التحقق
7920
تعليقات فيس بوك

مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء