suhaiban.com/index-ar-show-3129.html

خطبة :الخير عادة
مشاهدات : 1990

الأحد 23 ربيع الأول 1437 هـ - الاحد 3 يناير 2016 م

الحمد لله...

أما بعد.

فيا أيها الإخوة المؤمنون: جاء في الحديث الصحيح عن معاوية رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الْخَيْرُ عَادَةٌ، وَالشَّرُّ لَجَاجَةٌ، وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ».

قال أهل العلم: قوله صلى الله عليه وسلم الخير عادة معناه أن النفس تعود إلى الخير وتألفه، وتحرص عليه، لموافقته أصل الفطرة، وذلك لئن الإنسان مجبول ومفطور على الخير،{فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون}، وقوله "والشر لجاجة": لما فيه من العوج وضيق النفس والكرب، واللجاج أكثر ما تستعمل في المراجعة في الشيء المضمر بشؤم الطبع بغير تدبر عاقبة، ويسمى فاعله لجوجاً، كأنه أخذ من لجة البحر وهي أخطر ما فيه.

أيها الإخوة: هذا الحديث من جوامع كلم النبي صلى الله عليه وسلم، وهو من الحكمة التي أوتيها صلوات الله وسلامه عليه، نعم الخير عادة حكمة يصدقها الواقع والتجربة، ولعلي هنا أذكر نفسي وإخواني ببعض الخير الذي تعتاده النفس الطيبة حتى يصير سجية وطبعاً، يأتيه الإنسان دون أدنى تكلف.

فمن ذلك أيها الإخوة فعل الطاعات والعبادات، من صلاة وصيام وصدقات، فصلاة الضحى مثلاً عبادة جليلة كان النبي صلى الله عليه وسلم يوصي بها، وأخبر أنها صلاة الأوابين، وإذا اعتادها الإنسان سهلت عليه، وسنة الوضوء عبادة يغفل عنها الكثير، وإذا تعودها الإنسان صارت سبباً في الفوز بالجنة، والوتر عبادة فاضلة، بل هو أفضل صلوات التطوع، ومن عوّد نفسه عليه قبل النوم أو في آخر الليل سهل عليه وألفه وأنس به، والسنة الراتبة بعد الصلاة عادة راتبة للمؤمن، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحافظ عليها، ووعد من حافظ عليها بأن يبنى له بيت في الجنة. 

والتبكير إلى المساجد والحرص على إدراك الصلاة تامة مع الإمام، عادة الخاشعين، ودأب الأخيار والصالحين، وهي علامة صدق الإيمان واليقين، وكذا التبكير لصلاة الجمعة عادة وقربة تساوي أجر المتصدقين بالمال العظيم.

والمكث في المسجد بعد الصلاة عبادة جليلة سماها جماعة من السلف السجن المبارك، لأن المصلي ما دام جالساً في مصلاه تستغفر له الملائكة وتدعو له حتى يقوم، كما ثبت في الصحيح، فمن اعتاد الجلوس بعد الفريضة بضع دقائق للذكر والاستغفار فقد ربح استغفار الملائكة، ومن اعتاد السرعة في الانصراف فقد فوت على نفسه هذا الخير.

وصيام ثلاثة أيام من كل شهر عبادة جزؤها من الله وحده، وقد كان النبي صلى الله عليه يوصي بها، وأخبر كما في الصحيحين أنه يعدل صيام الدهر، ومن اعتاد صوم ثلاثة أيام من كل شهر سهل عليه الصيام وأحبه ولم يتركه إلا من عذر.

والصدقة بالمال برهان صدق الإيمان، ومن اعتاد التبرع بشيء من ماله لفقير يتعرف عليه ويطعمه كل شهر بما تيسر، أو باشتراكه الشهري أو السنوي في جمعية خيرية تعليمية أو إغاثية، من اعتاد ذلك وجد بركة وتوفيقاً وسعادة لا توصف، وكل ذلك من العادات الطيبة التي لا تقوى عليها إلا النفوس الخيرة الكبيرة.

 وبر الوالدين أفضل الأعمال بعد الصلاة، ومن اعتاد الجلوس والأنس مع والديه، وإدخال السرور عليهما ، كل يوم، أو الاتصال كل يوم في حال البعد، فقد اعتاد لقلبه رقة ورحمة، وعطفاً وإحساناً أمر الله به بعد عبادته (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين أحساناً)، كما أن الدعاء للوالدين عادة الصالحين، أو ولد صالح يدعو له، وزيارة الأرحام عبادة جليلة، فمن اعتاد الصلة بزيارة رحمه، أو حضور اجتماعهم، كل أسبوع أو شهر أو أكثر، فقد فتح لنفسه باب رحمة وتوفيق وسعة رزق وأثر جميل، ومن اعتاد زيارة بعض كبار السن من الأقارب والجيران وأصدقاء الوالدين كل أسبوع مرة أو أكثر فقد اعتاد الوفاء والبركة في العمر كله.

وقراءة حزب من القرآن كل يوم نور وهداية، وعبادة عظيمة عظيمة، فالقرآن به حياة القلب وانشراح الصدر، ومن تعود على حزب منه ولو قليل وجد الأمن والراحة والطمأنية ( الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب)، والمداومة على ذكر الله تعالى في الصباح والمساء وعند النوم واليقظة، والدخول والخروج، وفي كل شأن يشرع ذكر الله فيه، شأن الموفقين، ومن فعل ذلك فقد سبق القوم من غير تعب، في صحيح مسلم: «سَبَقَ الْمُفَرِّدُونَ» قَالُوا: وَمَا الْمُفَرِّدُونَ؟ يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: «الذَّاكِرُونَ اللهَ كَثِيرًا، وَالذَّاكِرَاتُ»، ورفع اليدين بالدعاء عادة أهل التأله والعبادة، فإن الدعاء هو العبادة.

أيها الإخوة: والكلمة الطيبة والمنطق الحسن وجميل القول عادة وتربية يعتادها ويتربى عليها العاقل اللبيب، والمؤمن الصالح، اعترض كلب في طريق عيسى عليه السلام فقال: اذهب عافاك الله فقيل له: تخاطب به كلباً؟ قال: لسان عودته الخير فتعود.

والرضا والقناعة والشكر وكثرة الحمد عادة تجلب المزيد من النعيم وتحفظها، والصبر الجميل على نوائب الدهر ومصاعب الحياة عادة الأقوياء في إيمانهم، والحلم والهدوء وترويض النفس على كظم الغيظ عادة، بل من خير العادات، وإنما الحلم بالتحلم، والسماحة والعفو والصفح الجميل عادة للكرماء، الذين يعذرون الناس ويحبون عفو الله عنهم ومغفرته، (وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم).

ورقة القلب وسلامته ونظافته عادة يدرب المسلم نفسه عليها، وفي بعض الآثار:" عودوا قلوبكم الرقة".

 والغفلة عن الناس وعدم تتبع أخبارهم عادة حسنة، وهي من حسن إسلام المرء المسلم.

والابتسامة الصافية الصادقة عادة لبعض الوجوه المسفرة، وهي صدقة نافعة تنشر الحب والمودة،  وتدل على نفس راضية مطمئنة.

والنظافة في الملبس والمظهر وحسن الهندام عادة جميلة يحبها الله فالله جميل يحب الجمال.

وإتقان العمل والانضباط والجد واحترام النظام عادات حضارية دعا إليها الدين، وفي الحديث الحسن : «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه».

وترشيد استهلاك الماء والكهرباء والوقود والصرف في كماليات الحياة عادة حياتية طيبة، يقوم بها الموفقون الشاكرون لنعم الله تعالى.

أيها المؤمنون: إن النفس إذا اعتادت على شيء ألفته وقامت به بسهولة، حتى يكون هذا الشيء جزءا من حياة الإنسان لا يستطيع التخلي عنه بحال، واسألوا إن شئتم أهل قيام الليل، وأهل الصيام، وأهل الخير والصدقة، وأهل المكث في المساجد والتبكير إلى الصلوات، اسألوا كيف تحصل لهم الراحة واللذة، وكيف أن هذه الأعمال التعبدية الكبيرة والشاقة في نظر بعض الناس صارت عندهم سهلة ويسيرة.

  (فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى)

الخطبة الثانية: أيها الإخوة: إن واجباً على الآباء أن يربوا أبناءهم على عادات الخير، وأن يعودوهم على الأفعال الطيبة من صلاة وبر وإحسان، واحترام للكبار، وإحسان للنية ونظافة للقلب، وعناية بالمظهر والنظام.

وينشأ ناشء الفتيان فينا        على ما كان عوده أبوه

وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: «حَافِظُوا عَلَى أَوْلَادِكُمْ فِي الصَّلَاةِ، وَعَلِّمُوهُمُ الْخَيْرَ فَإِنَّمَا الْخَيْرُ عَادَةٌ».

هل تعلمون أيها الإخوة من الذي يتعود على فعل الخير إنه المؤمن الذي ينشرح صدره للخير فيصير له عادة، روي عن أبي الدرداء أنه قال: " تعود العبادة فإن لها عادة".

ولقد كان بعض السلف إذا فاتته صلاة الجماعة أو فاته خير يعمله في العادة كفر عن ذلك، ليدرب نفسه على الخير ويحملها عليه، فيصوم يومًا، أو يتصدق بصدقة.

العادات الطيبة لا تقبل التأجيل ولا التسويف، فالتسويف عادة المفلسين، روي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: " تَعَوَّدُوا الْخَيْرَ عَادَةً، وَإِيَّاكُمْ وَعَادَةَ السَّوَافِ مِنْ سَوْفَ إِلَى سَوْفَ "

أيها الإخوة : إن النفس أي نفس تحتاج إلى تمرين حتى تألف الأعمال وتحبها، وحتى تكون عندها العزيمة والهمة، هذا التمرين هو المجاهدة وهو ما ذكره الله بقوله : «وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا»، وتأمل قول الله سبلنا، فهي طرق للخير متنوعة كثيرة كلها توصل إلى مرضاة الله، ولن يغير الله ما في الإنسان حتى يكون التغيير منه: «إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ»، وإهمال النفس فيه عطبها وهلاكها وغفلتها، وهو العجز والكسل الذي كان نبيكم يستعيذ منه،ويقول" اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل" والنفس كالطفل إن تهمله شب على حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم

إن من لا يعتاد الخير ولا يصل إليه يخشى عليه من سخط الله سبحانه، فإن الله سبحانه يكره أعمال بعض الناس، ألم تسمعوا ربكم سبحانه يقول في حق المتأخرين والمتثاقلين عن الجهاد مع رسوله : (ولكن كره الله انبعاثهم فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُواْ مَعَ الْقَاعِدِينَ}.

 

21/3/1437 هـ

 

إظهار التعليقات
التعليقات
أضف تعليق
الإســـــــــــــــــــم :
البريد الالكترونى :
التعليــــــــــــــــق :
اكتب كود التحقق
1306
تعليقات فيس بوك

مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء