suhaiban.com/index-ar-show-3144.html

خطبة: صلة الرحم
مشاهدات : 1469

الثلاثاء 09 ربيع الثاني 1437 هـ - الثلاثاء 19 يناير 2016 م

الحمد لله.
أيّها المسلمون، دين الإسلام دين سعادة ورحمة للبشرية، جاءت تعاليم الإسلام بالمصالح والخيرات والبركات، ولقد كان من أعظم تلك التعاليم التي اهتم بها الإسلام الأمر بصلة الرحم.
الأمر بصلة الرحم جاء مقروناً ببر الوالدين بعد توحيد الله{وَٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِٱلْوٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰنًا وَبِذِى ٱلْقُرْبَىٰ}. الأمر بصلة الرحم جاء مقترناً بأركان الإسلام في أحاديث كثيرة، جاء رجلٌ إلى النبيّ  صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: أخبِرني بعملٍ يدخلني الجنّة، قال: ((تعبد الله ولا تشرِك به شيئًا، وتقيمُ الصلاة، وتؤتي الزكاةَ، وتصِلُ الرّحم)) متفق عليه، الأمر بصلة الرحم مسطور في كتب الأمم السابقة{وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَـٰقَ بَنِى إِسْرءيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ ٱللَّهَ وَبِٱلْوٰلِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِى ٱلْقُرْبَىٰ}، الأمر بصلة الرحم من أولويات دعوة محمد صلوات الله وسلامه عليه، قال عبد الله بن سلام: لمّا قدم النبيّ  صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المدينةَ انجفلَ الناس إليه ـ أي: ذهَبوا إليه ـ فكان أوّل شيء سمعتُه تكلَّم به أن قال: ((يا أيّها الناس، أفشوا السّلام، وأطعِموا الطّعام، وصِلوا الأرحامَ، وصَلّوا بالليل والنّاس نِيام، تدخلوا الجنّة بسلام)).
أيها الإخوة المؤمنون: صلة الرحم عنوان على الإيمان في الحديث المتفق عليه ((من كان يؤمِن بالله واليومِ الآخر فليصِل رحِمَه)) صلة الرحم برٌّ بالوالدَين سواء كانوا أحياءً أو أمواتًا، جاء رجل إلى النبيّ  صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: يا رسول الله، هل بقيَ من برّ أبويَّ شيءٌ أبرّهما به بعد موتهما؟ قال:(نعم، الدعاءُ لهما، والاستغفار لهما، وإنفاذُ عهدِهما مِن بعدهما، وصِلة رحمِك التي لا رحمَ لك إلاّ من قِبَلهما).
واصل الرحم موصول برحمة الله وإحسانه قال النبيّ  صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((قال الله للرّحم: أما ترضينَ أن أصلَ من وصلك وأن أقطعَ من قطعك؟ قالت: بلى، قال: فذاك لك)) متفق عليه، ((والرحمُ معلّقة بالعرش تقول: مَن وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله)).
واصل الرحم يصله كلُ خير فهو مبارك في رزقه وعمره، في الصحيحين ((من أحبَّ أن يُبسَط له في رزقه ويُنسَأ له في أثَره فليصِل رحمَه))،
واصل الرحم لا يسقط في حياته، وإن سقط أصاب متكأ، فصلته لرحمه تدفع عنه البلايا والرزايا، اسمعوا ما ذا قالت خديجة رضي الله عنها لنبينا صلى الله عليه وسلم لما خشي على نفسه ورجع يرجف فؤاده، في أول نزول الوحي عليه، قالت له خديجة: كلاّ والله، لا يخزيكَ الله أبدًا؛ إنّك لتصلُ الرّحم، وتحمِل الكَلّ، وتكسِب المعدومَ، وتَقري الضّيف. رواه البخاري.
الأرحام مقدمون في كتاب الله على الفقراء والمساكين عند البذل والعطاء والرأفة والنفقة {يَسْـئَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مّنْ خَيْرٍ فَلِلْوٰلِدَيْنِ وَٱلأقْرَبِينَ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينَ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ}.{وَءاتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَٱلْمِسْكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ}. ذلك أن ثواب البذل عليهم مضاعف ضعفين، قال عليه الصّلاة والسّلام: ((الصدقةُ على المسكين صدقة، وهي على ذي الرحم اثنتان صدقةٌ وصِلة). وإليكم أيها الإخوة مثالاً عملياً تطبيقياً يبين فضل الصدقة والبذل لأبناء العم والأخوال، أما البذل لأبناء العم فقد ثبت في الصحيحين من حديث أنس قَالَ: كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أكْثَرَ الأنْصَارِ بالمَدينَةِ مَالاً مِنْ نَخل، وَكَانَ أحَبُّ أمْوَاله إِلَيْهِ بَيْرَحاء، وَكَانَتْ مسْتَقْبَلَةَ المَسْجِدِ، وَكَانَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - يَدْخُلُهَا، وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّب، فَلَمَّا نَزَلَتْ هذِهِ الآيةُ: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} قَامَ أَبُو طَلْحَةَ إِلَى رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، فَقَالَ: يَا رَسُول الله! إنَّ الله تبارك وتَعَالَى يقول: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} وَإنَّ أَحَبَّ مَالِي إِلَيَّ بَيْرَحَاءُ، وَإنَّهَا صَدَقَةٌ للهِ تعالى، أرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ الله تَعَالَى، فَضَعْهَا يَا رَسُول الله! حَيْثُ أرَاكَ الله. فَقَالَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم -: «بَخ! ذلِكَ مَالٌ رَابحٌ، ذلِكَ مَالٌ رَابحٌ! وقَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ، وَإنِّي أرَى أنْ تَجْعَلَهَا في الأقْرَبينَ» ، فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: أفْعَلُ يَا رَسُول الله! فَقَسَّمَهَا أَبُو طَلْحَةَ في أقَارِبِهِ وبَنِي عَمِّهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
هذا في بني العم أما الأخوال فإليكم هذا المثال عَنْ أم المؤمنين مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ، أَنَّهَا أَعْتَقَتْ وَلِيدَةً فِي زَمَانِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «لَوْ أَعْطَيْتِهَا أَخْوَالَكِ، كَانَ أَعْظَمَ لِأَجْرِكِ» متفق عليه. ألا ما أعظم الإسلام حين يقوي الأواصر وينشر الرحمة بين الأقارب، فيتعاونون على البر والتقوى، الأقوال بينهم طيبة، والزيارات متكررة، والاجتماعات منتظمة، المعروف بينهم مبذول، والاعتذار حين الخطأ مقبول، والمسامحة شعارهم، فما أجمل حياتهم، وما أكمل سعادتهم.
إن الاجتماع مع الإخوة والأعمام والأخوال وأبنائهم اجتماع رحمة وقربة وهو عبادة من أجل العبادات، يقول عمرو بن دينار: "ما مِن خطوة بعد الفريضةِ أعظمُ أجرًا من خطوةٍ إلى ذي الرّحم".
الاجتماع مع الأقارب دليل على كمال العقل وسعة الأفق، وزكاء المعدن، وكرم النفس وجميل الوفاء.
والأقارب التي تجب صلتهم درجات بعضها أرفع من بعض، فمنها ما هو واجب كالمحارم ومنها ما هو مندوب، والصلة تكون بالمال والزيارة والسلام وتختلف بحسب القدرة والحاجة.
أيها الإخوة: واصل الرحم عاقل لبيب، يدرك معنى الرحم، ويدرك أن الله هو الذي أمر بوصلها.
 {أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبّكَ ٱلْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلألْبَـٰبِ الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ }.


 
الخطبة الثانية: أيّها الإخوة المسلمون: من رام رحماً وأقارباً معصومين من الزلل والخطأ فقد رام مستحيلاً، وجهل سنة الله في خلق البشر، فالخلق في جبلتهم الخطأ، والخطأ ليس مبرراً للقطيعة، جاء رجلٌ إلى النبيّ  صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: يا رسولَ الله، إنّ لي قرابةً أصِلهم ويقطعونني، وأُحسِن إليهم ويسيؤون إليّ، وأحلم عليهم ويجهَلون عليّ، فقال عليه الصلاة والسلام:(لئن كان كما تقول فكأنّما تسِفُّهم المَلّ، ولا يزال معك من الله ظهير ما دمتَ على ذلك)رواه مسلم، وفي صحيح البخاري يقول عليه الصلاة والسلام:(ليسَ الواصل بالمكافئ، ولكنّ الواصلَ مَن إذا قطعَت رحمُه وصَلها).
وبعد أيها الإخوة: فإن قاطع الرحم منقطع من رحمة الله، في صحيح البخاري قال عليه الصلاة والسلام: (لا يدخل الجنّةَ قاطع)، فقطيعة الرّحم كبيرة مِن كبائر الذّنوب، متوَعَّد صاحبُها باللّعنةِ والعقوبة {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِى ٱلأَرْضِ وَتُقَطّعُواْ أَرْحَامَكُمْ * أَوْلَـئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَـٰرَهُمْ}، فتأملوا كيف قرن الله بين الإفساد في الأرض وقطيعة الرحم، ذلكم أن القطيعة من أعظم المفسدات لأخلاق المجتمع، بل القطيعة عنوان الذل والصغار، والتفرق والضعف، وهي جالبة للغم والنكد والقلق لكل من بلي بها. (وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ)
5/4/1437 هـ

إظهار التعليقات
التعليقات
أضف تعليق
الإســـــــــــــــــــم :
البريد الالكترونى :
التعليــــــــــــــــق :
اكتب كود التحقق
2916
تعليقات فيس بوك

مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء