suhaiban.com/index-ar-show-3152.html

خطبة: قصة ذي النون
مشاهدات : 2638

السبت 11 جمادى الأولى 1437 هـ - السبت 20 فبراير 2016 م

الحمد لله...

أما بعد.
أيها الإخوة المؤمنون: قص علينا ربنا في القرآن الكريم أحسن القصص، والمقصود الأعظم من قصص القرآن العبرة لا مجرد الحكاية، فهي قصص وأخبار واقعية صادقة معجزة، (لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون)
وأحسن القصص قصص الأنبياء والرسل، وهي أكثر القصص في القرآن الكريم، قصها الله لأخذ العبرة وتقويم المسيرة وتصحيح المفاهيم، ومن قصص الأنبياء التي أعادها الله وكررها في القرآن، قصة نبي الله ذي النون، يونس عليه الصلاة والسلام، فقد ذكر الله لنا هذه القصة في القرآن إشارة أو تفصيلاً في نحو خمسة مواضع.
إنه يونس بن متى، سماه الله ذا النون، ونون اسم من أسماء الحوت، فهو صاحب الحوت، وهو من أنبياء بني إسرائيل عاش في أرض الموصل في العراق، وبعثه الله إلى أهل نينوى، فدعاهم إلى عبادة الله وحده، فلم يستجيبوا لدعوته، وكذبوه أول الأمر، فحزن على ذلك وضاق صدره، وخرج من بينهم بعد ما أنذرهم عذاب الله، حيث سنته التي لا تتغير في القوم المجرمين المكذبين، ولكن قومه حين خرج من عندهم ورأوا مخايل العذاب، ندموا وآمنوا وتضرعوا، وقيل إنهم خرجوا إلى الصحراء بأطفالهم ونسائهم وأنعامهم، وجأروا إلى الله بالدعاء والبكاء، والاستغفار والتوبة، فكشف الله عنهم غمة العذاب؛ فكانت هي القرية الوحيدة التي نجت من عذاب الله بعد تحققه، ﴿ فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ ﴾.
أما نبي الله يونس فقد خرج غضبان أسفا، لم يتحمل صدود قومه وتكذيبهم، ولم يصبر، وقد عرّض الله بهذا، فقال لنبيه : (فاصبر لحكم ربك، ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم)، خرج يونس ظاناً أنه سيجد أرضاً أرحب وأوسع، ولم يظن أن الله سيضيق عليه، وأنه سيكون في أضيق مكان، (وذا النون إذ ذهب مغاضباً فظن أن لن نقدر عليه) أي نضيق عليه، خرج يونس واتجه إلى البحر، وركب مع جماعة في سفينة مشحونة، حتى إذا كانوا في عرض البحر، توقفت السفينة عن الجريان، وقيل إنها اضطربت بهم الأمواج، فخافوا الهلاك، فقال نبي الله يونس - عليه السلام - كما روى ابن أبي حاتم وغيره عن ابن مسعود - رضي الله عنه - بسند صحيح كما قال ابن حجر: " إِنَّ مَعَهُمْ عَبْدًا آبِقًا مِنْ رَبِّهِ (أي: هارب)، وَإِنَّهَا لَا تَسِيرُ حَتَّى تُلْقُوهُ، فَقَالُوا: لَا نُلْقِيكَ - يَا نَبِيَّ اللَّهِ - أَبَدًا. قَالَ: فَاقْتَرَعُوا؛ فَخَرَجَ عَلَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ؛ - وهذا معنى قول الله سبحانه، فساهم فكان من المدحضين – أي المغلوبين، قال ابن  كثير : وَقَعَتْ عَلَيْهِ الْقُرْعَةُ، فَقَامَ يُونُسُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَتَجَرَّدَ مِنْ ثِيَابِهِ، ثُمَّ أَلْقَى نَفْسَهُ فِي الْبَحْرِ، وَقَدْ أَرْسَلَ اللَّهُ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، مِنَ الْبَحْرِ الْأَخْضَرِ -فِيمَا قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ-حُوتًا يَشُقُّ الْبِحَارَ، حَتَّى جَاءَ فَالْتَقَمَ يُونُسَ حِينَ أَلْقَى نَفْسَهُ مِنَ السَّفِينَةِ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى ذَلِكَ الْحُوتِ أَلَّا تَأْكُلَ لَهُ لَحْمًا، وَلَا تُهَشِّمَ لَهُ عَظْمًا؛ فَإِنَّ يُونُسَ لَيْسَ لَكَ رِزْقًا، وَإِنَّمَا بَطْنُكَ لَهُ يَكُونُ سِجْنًا، وهكذا يظهر حفظ الله لعبده الصالح، وحين أحاط به الكرب، وتغشّاه الغم، في بطن الحوت، وقد غشيته ظلمته مع ظلمة البحر وظلمة الليل، نادى ربَّه في هذه الظلمات بلسان الحال والمقال: ﴿ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِين ﴾، روى أنس رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أَنَّ يُونُسَ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ حِينَ بَدَا لَهُ أَنْ يَدْعُوَ بِهَذِهِ الْكَلَمَّاتِ وَهُوَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ، قَالَ: "اللَّهُمَّ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، سُبْحَانَكَ، إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ". فَأَقْبَلَتْ هَذِهِ الدَّعْوَةُ تَحُفُّ بِالْعَرْشِ، فَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: يَا رَبِّ، صَوْتٌ ضَعِيفٌ مَعْرُوفٌ مِنْ بِلَادٍ غَرِيبَةٍ؟ فَقَالَ: أَمَا تَعْرِفُونَ ذَاكَ؟ قَالُوا: لَا يَا رَبِّ، وَمَنْ هُوَ؟ قَالَ: عَبْدِي يُونُسُ، قَالُوا: عَبْدُكَ يُونُسُ الَّذِي لَمْ يَزَلْ يُرفَع لَهُ عَمَلٌ مُتَقَبَّلٌ، وَدَعْوَةٌ مُجَابَةٌ؟! قَالَ: نَعَمْ، قَالُوا: يَا رَبِّ، أَوَلا تَرْحَمُ مَا كَانَ يَصْنَعُ فِي الرَّخَاءِ؛ فتنجيَه مِنَ الْبَلَاءِ؟ قَالَ: بَلَى. فَأَمَرَ الْحُوتَ فَطَرَحَهُ فِي الْعَرَاءِ " رواه ابن أبي حاتم بإسناد يتقوى بغيره كما قال ابن كثير. هكذا تصنع صالحات الرخاء في مواطن الشدة! ﴿ فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾ .
ويذكر الله لنا في القرآن أن الحوت طرح يونس في العراء، (فنبذناه بالعراء وهو سقيم) عراء قفر من الأشجار، وهو سقيم منهك الجسد ، كهيئة الفرخ الذي ليس عليه ريش، كما قال ابن مسعود - رضي الله عنه -؛ فأنبت الله له اليقطين؛ (فأنبتنا عليه شجرة من يقطين)وهو شجرة القرع التي تمتاز بسرعة الإنبات، وجودة الغذاء وتقويته للجسم، وتظليل ورقه، ونعومته، وعدم قربان الذباب لها  كما قال العلماء.
وأنت بفضلٍ منك نجيت يونسا     وقد بات في أضعاف حوتٍ لياليا
فأنبتَّ يقطيناً عليه برحمة                من الله لولا اللهُ أصبح ضاويا
ثم عاد عليه السلام بعد هذا البلاء؛ فتاب عليه، واجتباه، وجعله من الصالحين، وأرجعه الله مسروراً إلى قومه المؤمنين.
أيها الإخوة: إن ما قدَّره الله على نبيه يونس عليه السلام لا يقلّل من شأنه، بل لا ينبغي لأحدٍ أن يقع في نفسه أنه خير منه، ولذا ورد في الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:"لا ينبغي لعبد أن يقول: أنا خيرٌ من يونس بن متى".
الخطبة الثانية:
أيها المسلمون: أعظم عبرة من قصة نبي الله يونس أن الله لطيف بعباده إذا دعوه وصدقوا في التوجه إليه، بل إن لطفه ورحمته ليس لها حد، أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء، فلا غوث إلى من الله ولا نجاة من الهموم والكروب والظلمات إلا من الله، (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ)، إنه الاعتصام بحبل الله وتوحيده سبحانه، ونداء الفطرة (لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ)، إنه أعظم نداء، وأعظم دعوة، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "دَعْوَةُ ذِي النُّونِ إِذْ دَعَا وَهُوَ فِي بَطْنِ الحُوتِ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، سُبْحَانَكَ، إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَدْعُ بِهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ"، رواه أحمد وغيره بسند حسن.، ففي قصة يونس - عليه السلام - بشارة لكل مؤمن مهموم مكروب، يصدق في دعائه والتجائه إلى الله، ويوقن بقرب الفرج منه سبحانه ﴿ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾.
وبعد أيها الإخوة: فلئن كان يونس عليه السلام نادى ربه في ظلمات الحوت والبحر والليل، وهي ظلمات محسوسة، فإن كثيراً منا اليوم يعيش في ظلمات الجهل والغفلة والهوى والمعصية، ولا منقذ من تلك الظلمات إلا رحمة الله، فهلا كان شعار كل مسرف وعاص لا إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.
10/5/1437 هـ

إظهار التعليقات
التعليقات
أضف تعليق
الإســـــــــــــــــــم :
البريد الالكترونى :
التعليــــــــــــــــق :
اكتب كود التحقق
7807
تعليقات فيس بوك

مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء