\إجارة النخيل\مؤلفات

كتاب إجارة النخيل

suhaiban.com/index-ar-show-32.html

كتاب إجارة النخيل
مشاهدات : 5238

الخميس 20 محرم 1436 هـ - الخميس 13 نوفمبر 2014 م

إجــارة النــخيـــل

د / عبدالله بن عمر بن محمد السحيباني

الأستاذ المشارك في كلية الشريعة والدراسات الإسلامية

جامعة القصيم

1432هـ

 

********

المقدمة

الحمد لله على شرعه وتيسيره، أحمده سبحانه وأشكره، أكرم هذه الأمة بخير الشرائع وأوفاها، وأرسل لها خير البشرية وأزكاها، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، أما بعد:

فإن إجارة النخيل أو غيرها من الأشجار تعتبر من المعاملات القديمة التي ذكرها الفقهاء المتقدمون وبيّنوا رأيهم فيها، فليست هذه المسألة نازلة معاصرة، وإن كانت صورتها اليوم أخذت تطوراً وتوسعاً أكثر من ذي قبل، فالمزارع اليوم أشبه ما تكون بالمصانع الكبيرة، وذلك لتدخل الآلة في العملية الزراعية مما سهل الحصول على الماء بكميات كبيرة جداً، لذلك كثرة - ولله الحمد - مزارع النخيل في بلادنا المباركة، وصار أصحاب تلك المزارع يحتاجون إلى من يقوم على مزارعهم بالرعاية والعناية لكثرة أعداد النخيل فيها، فلجأ كثير منهم إلى معاملة معروفة وهي المؤاجرة على النخيل.

ونظراً لأهمية هذا الموضوع، وكونه في هذه الأيام مثار جدل بين العاملين في هذا المجال، وكذ المهتمين من طلبة العلم والعلماء في حكم هذه المعاملة، أحببت المساهمة في إثراء هذا الموضوع بالبحث والدراسة العلمية المبنية على الأسس الصحيحة للبحث العلمي الدقيق، ولأن هذه المسألة كما يراها الناظر مسألة واحدة، فقد حاولت تأصيلها، وبيان أحكامها، وما يترتب عليها، ورأيت لذلك تقسيم البحث فيها إلى المباحث التالية:

المبحث الأول:مفردات العنوان.

المبحث الثاني :صورة عقد الإجارة على النخيل.

المبحث الثالث:الأحاديث الواردة في بيع ثمار النخيل.

المبحث الرابع :عرض خلاف الفقهاء في إجارة النخيل.

المبحث الخامس :بدائل إجارة النخيل.

وأخيراً أسأل الله أن ينفع بها العمل، وأن يكتبه في ميزان الصالحات ، وصلى الله وسلم على النبي وآله الطيبين وأصحابه أجمعين.

 

 

المبحث الأول : مفردات العنوان.

أولاً : الإجارة :

قال أهل اللغة:الإِجارة من أَجَر يَأْجِرُ، وهو ما أعطيت من أجر في عمل، والأجير: هو المستأجر، وجمعه أجراء، والأجر: الثواب؛ وقد أجره اللَّه يأْجُرُه ويأْجِرُه أَجْراً وآجَرَه اللَّه إِيجاراً. وأْتَجَرَ الرجل: تصدق وطلب الأجر، قال الأزهري : " ومن هذا قول الناس: آجرَكَ اللَّه أَي أثابك الله، وقال – أيضاً - : "يقال: آجَرهُ الله يَأْجُرُه أَجْراً، وأَجرْت المملوك، فهو مَأْجُورٌ أَجراً، وأَجرْتُه أُوجرهُ إيجاراً، فهو مُؤْجَرٌ، وكل حسن من كلام العرب" ([1]).

والإجارة بالكسر وهو المشهور ، ويجوز فيها الضم والفتح ([2]) .

وقال القرافي:"ولما كان أصل هذه المادة الثواب على الأعمال، وهي منافع، خصصت الإجارة ببيع المنافع، على قاعدة العرب في تخصيص كل نوع تحت جنس باسم؛ ليحصل التعارف عند الخطاب" ([3]).

أما الإجارة في الاصطلاح الفقهي: فقد اختلفت عبارات فقهاء المذاهب في تعريفها، ولعلي أنقل هنا أتم تلك التعريفات في كل مذهب :

فذكر فقهاء الحنفية :أن الإجارة عقد على منفعة، معلومة، بعوض معلوم، إلى مدة معلومة ([4]) .

وعند بعض المالكيةأن الإجارة : عقد معاوضة على تمليك منفعة، في نظير عوض، أمداً معلوماً، أو قدراً معلوماً ([5]) .

وذكر فقهاء الشافعية:أن الإجارة: عقد على منفعة، مقصودة، معلومة، قابلة للبذل والإباحة، بعوض معلوم ([6]) .

أما الحنابلة : فحدها صاحب الروض المربع بقوله: " هي عقد على منفعة ، مباحة، معلومة، من عين معينة، أو موصوفة في الذمة،مدة معلومة،أو عمل معلوم، بعوض معلوم"([7]).

وكما هو ظاهر فغالب هذه التعريفات متقاربة، والفرق بينها يسير، وبعضها يعرف الإجارة بنوعيها إجارة الأعيان وإجارة الأعمال،  والذي يهمنا هنا هو تعريف إجارة الأعيان، ولعل الأقرب في تعريفها أن يقال أنها:

    عقد معاوضة على تمليك منفعة عين، مباحة، معلومة، بعوض معلوم إلى أمد معلوم.

ثانياً : تعريف النخيل :

يقول أهل اللغة : النَّخْل : معروف، وهو شجر  التَّمرِ، كالنَّخيلِ كأميرٍ، وظاهر كلامهم أنّ النخيل استعمل كالنَّخْل، وهو اسم جنس جمعيٍّ، واستعمل جمعاً لنَخْلَةٍ، والمعروف أنّه جمع لنَخْلٍ، يؤنث ويذكر، قال أبو حنيفة : أهل الحجازِ يؤنثونه، وفي التنزيل العزيز: والنَّخْلُ ذاتُ الأَكْمام، وأهل نجد يذكرون، جمعها نَخْل ونَخِيْلٌ وُنخْلانٌ، وثلاثة نَخَلاتٍ([8]) .

أما لماذا النخيل دون غيره في العنوان؟

فالحقيقة أنني قد اخترت أن يكون البحث بهذا العنوان إجارة النخيل، وإن كان الحكم لا يخص النخيل فقط، بل يعم سائر الأشجار ، لعدة أمور:

الأول منها:أن النخيل هو الشجر المشهور الكثير في بيئتنا المحلية، وهو الذي انتشرت فيه هذه المعاملة في العصر الحاضر.

والثاني:أن ذكر النخيل في باب المعاوضات كثير في كتب الفقهاء، بل كثير من الفقهاء لا يذكر في المعاملات والمعاوضة على الشجر إلا النخيل ([9]) .

 وبعضهم يذكر النخيل وسائر الشجر، بعطف أحدهما على الآخر ([10]) .

والثالث:أن شجر النخيل شجر فاضل مبارك، ورد ذكره وبيان فضله على سائر الشجر في القرآن والسنة ، ولهذا قيل : لا تكاد شجرة فى الأرض تبلغ المدى الذي تصل إليه النخلة، وكأنها بهذا تتربع على عرش المملكة النباتية ([11]) ، ولهذا السبب رأيت أن أضع بين يدي القارئ الكريم بعضاً من النصوص التي تبيّن قيمة النخل وفوائدها وفضها، وتفردها بالذكر في نصوص القرآن والسنة ، فمن ذلك:

أولاً : ذكر النخل في القرآن الكريم:

قد جاء ذكر النخل في القرآن في عدة مواضع بعضها بالنص الصريح، وبعضها بالوصف، فمن المنصوص عليه :

1- قول الباري سبحانه : ﭽ ﮐ  ﮑ  ﮒ  ﮓ   ﮔ  ﮕ   ﮖ  ﮗ  ﮘ  ﮙ  ﮚ  ﮛ  ﮜ  ﮝ      ﭼ([12])،خص النخل بإفراده بعد دخوله في جملة سائر الشجر تنبيهاً على فضله على سائر الأشجار، ولبيان جودته بأن طلعه هضيم([13]).

2 - وﭧ ﭨ ﭽ ﮪ  ﮫ  ﮬ  ﮭ  ﭼ([14])، وفي تعريف النخل، مع اختصاصها بالذكر من بين ما فى الجنات من أشجار إشارة إلى تكريم هذه الشجرة المباركة([15]).

3 - وﭧ ﭨ ﭽ ﮟ   ﮠ   ﮡ  ﮢ  ﮣ  ﭼ([16])   عطف على الفاكهة النخل، وأفرده بالذكر لشرفه ونفعه، فهو أهم شجر الفاكهة عند العرب الذين نزل القرآن فيهم، وهو يثمر أصنافاً من الفاكهة من رطب وبسر ومن تمر، وهو فاكهة وقوت ([17])   .

4 – وقال سبحانه:ﭽ ﯼ  ﯽ  ﯾ  ﯿ  ﰀ  ﰁ  ﰂ  ﰃﭼ([18])، قال بعض السلف : ما من شيء خير للنفساء من التمر والرطب، وقال بعضهم: ما أدري للمرأة إذا عسر عليها ولدها خير من الرطب ([19]).

ومما جاء فيه ذكر النخل بوصفه قوله سبحانه:   ﭽ ﯲ  ﯳ  ﯴ            ﯵ  ﯶ  ﯷ  ﯸ      ﯹ   ﯺ  ﯻ  ﯼ  ﯽ  ﯾ  ﯿ  ﰀ  ﰁ   ﭑ  ﭒ  ﭓ      ﭔ  ﭕ  ﭖﭗ  ﭘ  ﭙ  ﭚ   ﭛ  ﭜ   ﭝ   ﭼ([20]).

ففي قول أكثر أهل التفسير من الصحابة ومن بعدهم أن المقصود بالشجرة الطيبة النخلة، وقد جاءت آثار عن السلف تدل لذلك، كما يدل له حديث ابن عمر الآتي في تشبيه المؤمن بالنخلة([21])، قال ابن القيم : " ومن السلف من قال: إن الشجرة الطيبة هي النخلة، ويدل عليه حديث ابن عمر في الصحيح.... والمقصود بالمثل: المؤمن، والنخلة مشبهة به، وهو مشبه بها، وإذا كانت النخلة شجرة طيبة فالمؤمن المشبه بها أولى أن يكون كذلك، ومن قال من السلف:إنها شجرة في الجنة، فالنخلة من أشرف أشجار الجنة، وفي هذا المثل من الأسرار والعلوم والمعارف ما يليق به، ويقتضيه علم الرب الذي تكلم به، وحكمته سبحانه" ([22]).

هذا، وتحتل النخلة مكان القمة فى المملكة النباتية، كما يأخذ الإنسان مكان القمة فى المملكة الحيوانية، ولهذا كثر ذكرها فى القرآن، وخاصة فى معرض التذكير بنعم الله، وبما بين يدى الناس من هذه النعم، التي تتجلى فى الجنات والزروع، فلا تكاد تذكر الجنات وما فيها من ثمار، حتى تأخذ النخل مكان الصدارة، أو تنفرد وحدها بالذكر، اكتفاء بها عن كل شجر غيرها، وحتى لكأنّ الجنة لا تكون جنة إلا إذا كانت النخل آخذة مكانها فيها، يقول تبارك وتعالى: «أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ » الآية([23])، ويقول سبحانه: «وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعاً» ([24])  ، ومثل هذه الآيات والآيات السابقة كثير، فالنخلة خير ثمر وأطيب ما تخرج الأرض من ثمر! ([25])   .

ثانياً : النخلة في السنة المشرفة :

جاء في فضل النخلة أحاديث صحيحه، منها ما أورده البخاري ومسلم في صحيحيهما عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله r: «إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وإنها مثل المسلم، فحدثوني ما هي» فوقع الناس في شجر البوادي، قال عبد الله: ووقع في نفسي أنها النخلة، فاستحييت، ثم قالوا: حدثنا ما هي يا رسول الله قال: «هي النخلة» ([26]).

وفي لفظ عند البخاري: «إن من الشجر لما بركته كبركة المسلم» ([27]).

 وهذا الحديث يدل على فضل هذه الشجرة على سائر الأشجار، كما هو فضل المسلم على سائر الخلق، وقد أورد العلماء في شرح هذا الحديث أوجها للشبه بين النخلة والمسلم، والمختار منها ما ذكره غير واحد من أنه ليس في النخلة شيء إلا وينتفع به، كما أن المؤمن كله خير ونفع، وهذا المعنى مذكور في بقية الحديث؛ فإنه قال:" لها بركة كبركة المسلم"، وأنها شديدة الثبوت كثبوت الإيمان في قلب المؤمن، وأنها عالية الفروع كعلو ارتفاع عمل المؤمن، وأنها تؤتي أكلها كل حين، والمؤمن يكتسب الثواب في كل وقت  ([28]).

وذكر ابن حجر أن وجه الشبه بين النخلة والمسلم من جهة عدم سقوط الورق من حيث أنه لا تسقط لمؤمن دعوة، وذكر أثراً في ذلك، وقال - أيضاً- :" وبركة النخلة موجودة في جميع اجزائها مستمرة في جميع احوالها... ثم قال: "وأما من زعم أن موقع التشبيه بين المسلم والنخلة من جهة كون النخلة إذا قطع رأسها ماتت، أو لأنها لا تحمل حتى تلقح، أو لأنها تموت إذا غرقت، أو لأن لطلعها رائحة مني الآدمي، أو لأنها تعشق، أو لأنها تشرب من أعلاها، فكلها أوجه ضعيفة؛ لأن جميع ذلك من المشابهات مشترك في الآدميين لا يختص بالمسلم، وأضعف من ذلك قول من زعم أن ذلك لكونها خلقت من فضله طين آدم فإن الحديث في ذلك لم يثبت"  ([29]).

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المبحث الثاني : صورة العقد في إجارة النخيل.

المقصود بعقد الإجارة على النخيل: أن يتفق المؤجر مالك الأصل (النخل) والمستأجر الذي يريد المنفعة من النخلة، على أن تكون منافع هذا النخل للمستأجر، مدة معلومة، مقابل عوض معلوم، مع قيام المستأجر بكل ما يحتاج إليه النخل في هذه المدة.

ولا يخفى أنه لا بد في عقد الإجارة على الأعيان من تحديد المدة، فالمدة التي سوف يتولى المستأجر العقد فيها لها تأثير في حكم عقد الإجارة حتى لا تكون إجارة شكلية صورية، وتكون في حقيقتها بيعاً لا إجارة.

يقول ابن قدامة : "الإجارة إذا وقعت على مدة يجب أن تكون معلومة كشهر وسنة، ولا خلاف في هذا نعلمه، لأن المدة هي الضابطة للمعقود عليه، المعرفة له، فوجب أن تكون معلومة، كعدد المكيلات فيما بيع بالكيل" ([30]).

لهذا لا بد في عقد الإجارة على النخيل وغيرها من الشجر من ذكر المدة الكافية لقيام المستأجر بعمل ما تحتاجه النخلة من عمل حتى تؤتي ثمرتها، وهذه قد تكون لمدة عام، أو عامين أو ثلاثة، أو أكثر.

أما لو عقد على النخيل أو غيره من الشجر مدة قصيرة كشهرين أو ثلاثة – كما يقوم به البعض اليوم- أي من حين تخلق الثمرة، وقبل أن يبدو الصلاح فيها أو بعده، فإن هذا في حقيقته بيع للثمرة، وتجري عليه أحكام البيع من الجواز أو المنع، وإن سمي إجارة .

فاشتراط المدة الكافية في هذا العقد مقصود لبيان التفريق بين عقدي البيع والإجارة، فالإجارة في أحكامها وشروطها تخالف البيع، ولهذا فلو كان صاحب النخل المالك له هو الذي يقوم على النخل بإصلاحه، ودفع الأذى عنه ، وسقيه ، وما يحتاح إليه فلا يمكن أن يقع على هذا النخل إلا عقد البيع، ولا يتصور أن يجري في هذا عقد الإجارة؛ إذ كيف يكون المستأجر مستأجراً وهو لا يملك المنفعة ولا التصرف فيها مدة عقد الإجارة، فالإجارة الحقيقية للنخل وغيره من الشجر إنما يكون لمن يقوم عليه فيصلحه، ويسقيه ، ويتابع مراحل الثمر فيه، وقد نبه شيخ الإسلام ابن تيمية إلى هذا الملحظ وبيّنه، فقال : " فإذا كان صاحب الشجر، هو الذي يسقيها ويعمل عليها حتى يصلح الثمرة، فإنما يبيع ثمرة محضة ، كما لو كان هو الذي يشق الأرض ويبذرها ويسقيها حتى يصلح الزرع، فإنما يبيع زرعاً محضاً، وإن كان المشتري هو الذي يجد ويحصل، كما لو باعها على الأرض، وكان المشتري هو الذي ينقل ويحول، ولهذا جمع النبي - صلى الله عليه وسلم - بينهما في النهي، حيث «نهى عن بيع الحب حتى يشتد، وعن بيع الثمر حتى يبدو صلاحه» ([31])، فإن هذا بيع محض للثمرة والزرع، وأما إذا كان المالك يدفع الشجرة إلى المكتري حتى يسقيها، ويلقحها، ويدفع عنها الأذى، فهو بمنزلة دفع الأرض إلى من يشقها ويبذرها ويسقيها، ولهذا سوى بينهما في المساقاة والمزارعة، فكما أن كراء الأرض ليس ببيع لزرعها، فكذلك كراء الشجر ليس ببيع لثمرها، بل نسبة كراء الشجر إلى كراء الأرض كنسبة المساقاة إلى المزارعة، هذا معاملة بجزء من النماء، وهذا كراء بعوض معلوم" ([32]).

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المبحث الثالث : الأحاديث الواردة في بيع ثمار النخل ونحوها.

لم يرد – حسب علمي –  في صحيح السنة نص صريح يفيد حكم إجارة النخل أو غيرها من الشجر، والأحاديث الواردة كلها في بيع الأشجار والثمار، بعضها يفيد حكم الإباحة، كأحاديث إباحة السلم في الثمار، وأحاديث بيع النخل المؤبر، وبعضها يفيد حكم المنع، كالأحاديث الواردة في النهي عن بيع الثمر قبل بدو صلاحه، وبيع السنين، والإجارة كما هو معلوم نوع من البيع، بل هي في الحقيقة بيع المنافع ، وفي تقديري أنه لا يحسن أن يخوض أحد في هذه المسألة إلا بعد أن يقف على ما ورد في السنة النبوية من الأحاديث المتكاثرة في نهي النبي rعن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها، وعن بيع السنين، ويتأمل مدى علاقة تلك الأحاديث بمسألة إجارة النخل أو غيرها من الشجر لأجل ما فيها من الثمر، والتي هي عمدة جماعة من الفقهاء ممن منع من إجراء عقد الإجارة على الشجر -  كما سيأتي – .

لذا قصدت في هذا المبحث إفراد هذه الأحاديث، والوقوف على ما تيسر منها، والتأمل في مدى حجيتها على مسألتنا، وذلك في مطلبين :

المطلب الأول : الأحاديث الواردة في النهي عن بيع ثمار النخل.

المطلب الثاني: مدى حجية هذه الأحاديث على المنع من إجارة النخل.

المطلب الأول : الأحاديث الواردة في النهي عن بيع ثمار النخل:

أولاً : الأحاديث الواردة في النهي عن بيع الثمر قبل بدو صلاحه:

ثبت في صحيح السنة عدة أحاديث تدل على تحريم بيع الثمار قبل بدو صلاحها، وقد جاءت بألفاظ كثيرة ، منها:

1 - ما ثبت في الصحيحين عن ابن عمر t: «أنَّ رسول اللَّه r" نهى عن بيع الثِّمار حتَّى يبْدُو صلاحها، نهى البائع والمبتاع»  ([33]).

2  - وفي الصحيحين – أيضاً- عن جابر بن عبد اللَّه tقال: " «نهى النبيr أن تباع الثَّمرة حتى تُشَقِّح "، قيل: وَمَا تُشَقِّحُ؟ قال: " تَحْمَارُّ أَوْ تَصْفَارُّ، ويؤكل منها» " ([34]).

3 -  وفيهما عن أبي البختري قال: سَأَلْتُ ابن عَبَّاسٍ عن بيع النَّخْلِ، فقال: " «نهى رسول اللَّه rعن بيع النخل حتى يأكل منه، أو يؤكل، وحتى يوزن، فقلت: مَا يوزن؟ فقال رجل عنده: حتى يحرز»"([35]).

4-  وفي البخاري عن أنس بن مالك t، أَنَّ رسول اللَّه rنهى عن بيع الثِّمار حتى تزهي، فقيل له: وما تزهي؟ قال: حتى تَحْمَرَّ، فقال رسول اللَّه r: «أرأيت إِذا منع اللَّه الثَّمرة، بم يأخذ أحدكم مال أخيه» ([36]).

5-  وفي مسلم عن أبي هريرة tقال: قال رسول اللَّه r: " « لَا تبتاعوا الثِّمار حتَّى يَبْدُو صلاحها، لا تبتاعوا الثَّمر بالتَّمر» "  ([37]).

يقول الماوردي : " فهذه خمسة أحاديث تمنع من بيع الثمار قبل بدو الصلاح، وألفاظها وإن كانت مختلفة فمعانيها متفقة، فيحتمل أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم  - قال هذه الألفاظ المختلفة في أزمان مختلفة، فنقل كل واحد من الرواة ما سمعه من لفظه، ويحتمل أن يكون النبي - r- قال أحد هذه الألفاظ فنقل كل واحد من الرواة المعنى وعبر عنه بغير ذلك اللفظ، فكان اختلاف الألفاظ من جهة الرواة، ويجوز عندنا مثل هذا أن يعبر الراوي عن المعنى بغير اللفظ المسموع إذا كان المعنى جلياً " ([38]).

6 - وثبتفي البخاري عن زيد بن ثابت t، قال: كان الناس في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، يتبايعون الثمار، فإذا جد الناس وحضر تقاضيهم، قال المبتاع: إنه أصاب الثمر الدمان، أصابه مراض، أصابه قشام، عاهات يحتجون بها، فقال رسول الله rلما كثرت عنده الخصومة في ذلك: "فإما لا، فلا تتبايعوا حتى يبدو صلاح الثمر» كالمشورة يشير بها لكثرة خصومتهم " ([39]).

وقد استدل جماعة من العلماء بحديث زيد هذا على أن النهي الوارد عن بيع الثمر قبل بدو صلاحه في كل الأحاديث إنما هو للتنزيه، وقد جاء من النبي rعلى سبيل النصيحة والمشورة لأهل تلك المعاملات، وليس القصد منه منعهم من ذلك.

يقول الطحاوي : " وقد قال قوم: إن النهي الذي كان من رسول الله rعن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها , لم يكن منه على تحريم ذلك , ولكنه كان على المشورة عليهم بذلك لكثرة ما كانوا يختصمون إليه فيه ورووا ذلك عن زيد بن ثابت t....إلى أن قال :  فدل ما ذكرنا أن ما روينا في أول هذا الباب , عن رسول الله rمن نهيه عن بيع الثمار , حتى يبدو صلاحها , إنما كان هذا على المعنى , لا على ما سواه " ([40]).

ونقل هذا ابن بطال ، لكنه عقب عليه بمخالفته الفتوى، فقال : " قال بعض الكوفيين: إن نهيه عليه السلام عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها لم يكن منه على وجه التحريم، وإنما كان على وجه الأدب والمشورة منه عليهم، لكثرة ما كانوا يختصمون إليه فيه، واحتجوا بحديث زيد بن ثابت. وأئمة الفتوى على خلاف قولهم، والنهى عندهم محمول على التحريم" ([41]).

وكذلك نقل هذا التأويل العراقي في طرح التثريب ورده فقال ناقلاً هذا الجواب عن الحديث: " الجواب الثاني : أن النهي هنا ليس للتحريم، وإنما هو على سبيل التنزيه والأدب والمشورة عليهم، لكثرة ما كانوا يختصمون إليه فيه، وهذا مردود، والأصل في النهي التحريم حتى يصرفه عن ذلك صارف " ([42]).

الخلاف في دلالة هذه الأحاديث :

قد ذهب أكثر الفقهاء إلى ما دلّ عليه ظاهر هذه الأحاديث من النهي عن بيع الثمر قبل بدو صلاحه، فهو بيع محرم؛ لظاهر هذه النصوص، ولأدلة أخرى، من اشتمال العقد على الغرر، وإفضائه إلى النزاع والخصومة  ([43]).

بينما لم يذهب جماعة من أهل العلم من المحدثين والفقهاء منهم فقهاء الحنفية إلى ما دلّ عليه ظاهر النصوص المتقدمة، فذهبوا إلى جواز بيع التمر على رؤوس النخل قبل بدو صلاحه([44])، وتأولوا هذه الأحاديث بتأويلات كثيرة، منها ما ذكره الإمام أبو جعفر الطحاوي في شرح معاني الآثار حيث قال بعد سياقه جملة من الأحاديث المتقدمة: " فذهب قوم إلى هذه الآثار, فزعموا أن الثمار لا يجوز بيعها في رءوس النخل حتى تحمر أو تصفر. وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: هذه الآثار كلها عندنا, ثابتة صحيح مجيئها, فنحن آخذون بها, غير تاركين لها، ولكن تأويلها عندنا, غير ما تأولها عليه أهل المقالة الأولى، وذلك أن النبي rنهى عن بيع الثمار, حتى يبدو صلاحها , فاحتمل ذلك أن يكون على ما تأوله عليه أهل المقالة الأولى, واحتمل أن يكون أراد به بيع الثمار, قبل أن يكون, فيكون البائع بائعاً لما ليس عنده, فقد نهاه رسول الله rعن ذلك, في نهيه عن بيع السنين"([45]).

فتأول النهي في الحديث على النهي عن بيع المعدوم، واستدل على ذلك بأحاديث النهي عن بيع السنين – الآتي ذكرها –  ، كما استدل بحديث ابن عمر tفي الإذن ببيع الثمر على رؤوس النخل قبل بدو صلاحها في حين بيعها مع أصولها، في حديث «من باع نخلاً بعد أن يؤبر, فثمرتها للذي باعها إلا أن يشترط المبتاع»([46])قال الطحاوي : " قد أباح النبي rهاهنا , بيع ثمرة في رءوس النخل قبل بدو صلاحها، فدل ذلك أن المعنى المنهي عنه في الآثار الأول خلاف هذا المعنى.

وقد رد المانعون العاملون بظاهر النص النبوي هذا التأويل للأحاديث ، ومن ذلك ما ذكره العراقي حيث قال: " وهذا مخالف لتفسيره بدو الصلاح في الحديث بأنه صفرته وحمرته، وبأنه صلاحه للأكل منه، وبأنه ذهاب عاهته" ([47]).

والذي يترجح في حكم بيع الثمر – أياً كان نوعه - قبل أن يظهر فيه علامات الصلاح هو المنع، والحكم بفساد البيع؛ وذلك لأن النصوص صريحة في المسألة والعمل بظاهرها وصراحتها أولى من تركها إلى التأويلات، التي لا ينصرها أثر، أو نظر صحيح.

ثانياً : الأحاديث الواردة في النهي عن بيع السنين :

جاءت السنة بالنهي عن بيع السنين وهو : بيع ثمار النخل بأعيانها ثلاث سنين أو أربع أو أكثر من ذلك ، وقد جاء النهي عن ذلك في عدة أحاديث منها:  ما فِي الصحيحين عن جابر tقال: " «نهى النبي rعن الْمُحَاقَلَةِ وَالْمُزَابَنَةِ وَالْمُعَاوَمَةِ وَالْمُخَابَرَةِ» "، وفي رواية لهما " «وَعن بيع السِّنِينَ» " بدل " الْمُعَاوَمَةِ " ([48]).

قال الخطابي : " بيع السنين هو أن يبيع الرجل ما تثمره النخلة أو النخلات بأعيانها سنين ثلاثاً أو أربعاً أو أكثر منها، وهذا غرر؛ لأنه يبيع شيئاَ غير موجود ولا مخلوق حال العقد، ولا يدري هل يكون ذلك أم لا، وهل يتم النخل أم لا، وهذا في بيوع الأعيان، فأما في بيوع الصفات فهو جائز، مثل أن يسلف في الشيء إلى ثلاث سنين أو أربع أو أكثر ما دامت المدة معلومة،إذا كان الشيء المسلف فيه غالباً وجوده عند وقت محل السلف" ([49]).

وكذا قال ابن عبد البر: " هذا في بيع الأعيان، وأما السلم الثابت في الذمة بالصفة المعلومة فجائز عاماً وأعواماً " ([50]).

وهذا الاستثناء الذي ذكره الإمام الخطابي وابن عبدالبر مهم، فإن الشريعة إنما حرمت بيع المعدوم وغير الموجود، الذي يؤدي العقد عليه إلى غرر بيّن، وجهالة فاحشة، أما ما هو موصوف في الذمة وصفاً ينتفي معه الغرر والجهالة فإنه لا يمنع منه، وقد أباحته الشريعة؛ لأن الغرر فيه يسير محتمل، ولأن في المنع منه ضرراً على الناس في معاملاتهم وأموالهم.

المطلب الثاني: مدى حجية هذه الأحاديث على المنع من إجارة النخل:

يرى المانعون لإجارة النخل أن هذه الأحاديث التي فيها النهي عن بيع الثمر قبل بدو الصلاح، والنهي عن بيع الثمر أعواماً قبل أن تخلق، يدل على النهي -أيضاً - عن الإجارة للنخل، فالإجارة نوع من البيع، وما الفر ؟ فلو جازت الإجارة لجاز البيع – أيضاً-.

قال محمد بن الحسن : " ولئن جازت إجارته – يعني الثمر - بالدراهم والدنانير قبل أن يخرج ليجوزن بيعه قبل أن يخرج، وما بينهما افتراق، ليس يجوز شيء من هذا قليلاً كان ولا كثيراً، كان معه بياض أو لم يكن، في إجارة ولا بيع " ([51]).

لكن أجيب عن هذا الاستدلال بما يلي:

أولاً : أن تلك الأحاديث في النهي عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها، والمسألة محل الخلاف في إجارة النخل والأشجار، وفرق بين بيع الثمار أو إجارتها وبين بيع الأشجار وإجارتها، والدليل على وجود الفرق أنه لا يجوز بيع الثمار قبل بدو الصلاح، بينما يجوز بيع الأشجار وفيها شيء من الثمار حتى لو لم يبد فيها الصلاح، بدليل النص في حديث ابن عمر المتفق عليه «من ابتاع نخلاً بعد أن تؤبر، فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع»، ولأنه يثبت تبعاً ما لا يثبت استقلالاً، فلا يجوز بيع الجنين منفرداً، ويجوز بيعه تبعاً لأمه، فالأحاديث فيها النهي عن بيع الثمرة منفردة عن الشجر قبل صلاحها، وليس فيها نهي عن بيع الشجر المثمر الذي لم يظهر فيه الصلاح، وكذا ليس فيها نهي عن إجارة ذلك الشجر.

ثانياً : أن الأحاديث المذكورة واردة في النهي عن بيع الثمر قبل بدو صلاحه، وهي لا تتناول الإجارة للشجر المثمر أو الذي ينتظر ثمره، لوجود الفارق بين عقدي البيع والإجارة، فالإجارة ليست بيعاً للثمرة قبل بدو صلاحها، ولو كان كذلك لكان على البائع مؤونة التوفية، وضمان الدرك ونحو ذلك ([52]).

ثم إن البائع في عقد البيع عليه السقي وغيره مما فيه صلاح الثمرة، حتى يكمل صلاحها، وليس على المشتري شيء من ذلك، وأما في عقد الإجارة فإن المستأجر هو الذي يقوم بالسقي والعمل حتى تحصل الثمرة والزرع، فاشتراء الثمرة اشتراء للرطب، فإن البائع عليه تمام العمل حتى يصلح؛ بخلاف من دفع إليه الحديقة وكان هو القائم عليها ([53]).

ومما يدل على أن صورة عقد الإجارة على النخل لم تدخل في نهي النبي rوأن مالك النخل لم يبع ثمره أصلاً، أنه لو استأجر الأرض جاز، ولو اشترى الزرع قبل اشتداد الحب بشرط البقاء لم يجز، فكذلك يفرق في الشجر ([54]).

ولمزيد البيان لهذا الفرق يقول ابن القيم : " والنبي rنهى عن بيع الحب حتى يشتد، ولم ينه عن إجارة الأرض للزراعة، مع أن المستأجر مقصوده الحب بعمله، فيخدم الأرض ويحرثها ويسقيها ويقوم عليها، وهو نظير مستأجر البستان ليخدم شجره ويسقيه ويقوم عليه، والحب نظير الثمر، والشجر نظير الأرض، والعمل نظير العمل؛ فما الذي حرم هذا وأحل هذا؟ وهذا بخلاف المشتري؛ فإنه يشتري ثمراً وعلى البائع مؤنة الخدمة والسقي والقيام على الشجر؛ فهو بمنزلة الذي يشتري الحب وعلى البائع مؤنة الزرع والقيام عليه.

 فإن قيل: الفرق أن الحب حصل من بذره، والثمر حصل من شجر المؤجر.

قيل: لا أثر لهذا الفرق في الشرع، بل قد ألغاه الشارع في المساقاة والمزارعة فسوى بينهما؛ والمساقي يستحق جزءاً من الثمرة الناشئة من أصل الملك؛ والمزارع يستحق جزءاً من الزرع النابت في أرض المالك، وإن كان البذر منه، كما ثبت بالسنة الصحيحة الصريحة وإجماع الصحابة، فإذا لم يؤثر هذا الفرق في المساقاة والمزارعة التي يكون النماء فيها مشتركاً لم يؤثر في الإجارة بطريق الأولى؛ لأن إجارة الأرض لم يختلف فيها كالاختلاف في المزارعة، فإذا كانت إجارتها عندكم أجوز من المزارعة، فإجارة الشجر أولى بالجواز من المساقاة عليها، فهذا محض القياس وعمل الصحابة ومصلحة الأمة "  ([55]).

ومما يؤيد تخصيص النص النبوي في النهي عن بيع الثمرة قبل بدو الصلاح بعقد البيع فقط، دون غيره من العقود الأخرى، النص النبوي الآخر في جواز عقد السلم في الثمار، فهو في حقيقته كالاستثناء من تلك الأحاديث فعقد السلم بيع للثمر قبل تخلقه ، وقبل بدو صلاحه، لكنه بيع موصوف في الذمة لا بيع عين، وقد نص جماعة من العلماء منهم الخطابي وابن عبدالبر - كما تقدم - في بيع السنين أنه محمول على بيوع الأعيان لا بيع الصفات، وكذا نص ابن بطال على ذلك هنا، فقال : " وأما نهيه عليه الصلاة والسلام عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها محمول على أن بيع الثمرة عينًا لا يجوز، إلا بعد بدو صلاحها، وفى السلم ليس عند العقد ثمرة موجودة عند البائع تستحق اسم البيع حقيقة، وحديث النهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها مرتب على السلم، تقديره: أنه نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها إلا أن يكون سلماً، بدليل حديث ابن عباس أنهم كانوا يسلفون فى الثمر السنتين والثلاث، وذلك بيع له قبل أن يبدو صلاحه وقبل أن يخلق " ([56]).

وكذا من أباح إجارة الشجر قبل أن يخلق الثمر فيه يقول : إن النهي عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها لا يجوز إلا أن يكون ذلك إجارة ، فإن النص النبوي لم يتعرض له، بدليل وجود الاستثناء من بيع الثمر قبل بدو صلاحه بمعاملات أخرى، كالسلم في الثمار السنتين والثلاث، وليس اسم البيع بواقع على تلك المعاملة، فليس عند العقد ثمرة موجودة عند المؤجر تستحق اسم البيع حقيقة.

ومثل ذلك - أيضاً - عقد المساقاة فإن من دفع البستان إلى من يعمل عليه بنصف ثمره وزرعه، كان هذا مساقاة ومزارعة فاستحق نصف الثمر والزرع بعمله، وليس هذا اشتراء للحب والثمرة  ([57]).

يقول ابن القيم في التفريق بين عقدي البيع والإجارة هنا :"والفرق بين إجارة الشجر لمن يخدمها ويقوم عليها حتى تثمر، وبين بيع الثمرة قبل بدو صلاحها من ثلاثة أوجه:

أحدها:أن العقد هنا وقع على بيع عين، وفي الإجارة وقع على منفعة، وإن كان المقصود منها العين فهذا لا يضر،كما أن المقصود من منفعة الأرض المستأجرة للزراعة العين.

الثاني:أن المستأجر يتسلم الشجر فيخدمها ويقوم عليها كما يتسلم الأرض، وفي البيع البائع هو الذي يقوم على الشجر ويخدمها، وليس للمشتري الانتفاع بظلها ولا رؤيتها ولا نشر الثياب عليها، فأين أحد الرأيين من الآخر؟

الثالث:أن إجارة الشجر عقد على عين موجودة معلومة لينتفع بها في سائر وجوه الانتفاع، وتدخل الثمرة تبعاً، وإن كان هو المقصود، كما قلتم في نقع البئر ولبن الظئر أنه يدخل تبعاً وإن كان هو المقصود، وأما البيع فعقد على عين لم تخلق بعد فهذا لون وهذا لون.

وسر المسألة أن الشجر كالأرض، وخدمته والقيام عليه كشق الأرض وخدمتها والقيام عليها، ومغل الزرع كمغل الثمر، فإن كان في الدنيا قياس صحيح فهذا منه" ([58]).

وبهذا يتبيّن عدم استقامة الاستدلال بأحاديث النهي عن بيع الثمرة قبل بدو الصلاح في منع إجارة النخل وسائر الشجر، وذلك لعدم تناوله عقد الإجارة على الشجر، فهو أولاً نهي عن بيع الثمار لا عن بيع أو إجارة الأشجار، وهو ثانياً نهي عن البيع لا عن الإجارة .

ويبقى بعد ذلك النظر في سائر الأدلة ودلالتها على حكم المسألة، وهو ما سوف يتضمنه المبحث الآتي- إن شاء الله - .

المبحث الثالث : عرض خلاف الفقهاء في إجارة النخيل.

تحرير محل النزاع :

        لعل من نافلة القول أن الخلاف المقصود عرضه هنا هو الخلاف في إجارة النخل ونحوها من الأشجار فيمن استأجرها لأجل ما فيها من النتاج  والثمار ونحوها، فيكون الثمر وما تنتجه الأشجار من مأكول وغيره هو المقصود من عقد الإجارة، أما لو كان عقد الإجارة على الشجر لغرض آخر غير الثمر، كمن استأجر شجراً ليستظل فيه، أو استأجر شجراً ليبسط عليه ثياباً ونحوه، فهذا لا يدخل فيما نتحدث فيه، والخلاف وإن كان موجوداً في هذه المسائل فهو أضعف من الخلاف في هذه المسألة، من جهة الحاجة إلى تلك المسائل، ومن جهة قوة الأدلة عليها ([59]).

        و- أيضاً - فإن الخلاف في هذه المسألة محصور في إجارة الأشجار من النخل وغيرها قصداً، يعني لأجل ثمار الأشجار، بغض النظر عن موجودات المزرعة من أرض للزرع أو مساكن أو نحو ذلك، فإن خلاف الفقهاء في إجارة الأرض للزراعة وإن كان يشبه خلافهم في إجارة الأشجار، إلا أن جماعة من الفقهاء يفرقون بينهما فيجيزون إجارة الأرض للزرع، ويمنعون إجارة الشجر للثمر، لكن عرض الخلاف هنا سيكون محصوراً في إجارة الشجر من النخل وغيره لقصد الثمر، سواء شمل عقد الإجارة سائر البستان أو المزرعة أو كان خاصاً بالشجر وما تحته ([60]).

القول الأول : عدم جواز إجارة النخل ونحوها من الأشجار لمن يستغلها ويستفيد من ثمرتها مدة معلومة، وهذا هو قول أكثر الفقهاء من الحنفية ([61])والمالكية ([62])والشافعية([63])والحنابلة ([64]).

أدلة هذا القول:

الدليل الأول :الأحاديث المتكاثرة المعروفة في نهي النبي rعن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها ، وعن بيع السنين، والتي تقدم سياق جزء منها في المبحث السابق([65])، قالوا: والنهي عن البيع للثمر قبل بدو صلاحه يتظمن النهي عن إجارة الشجر لأجل ثمره، فلا فرق بين البيع والإجارة في هذا.

وقد أجيب عن هذا الاستدلال بعدة أجوبة - كما سبق – ولا حاجة هنا لتكرارها.

الدليل الثاني: الإجماع على عدم جواز إجارة النخل والشجر قبل بدو الصلاح، وممن ذكر الإجماع في هذا أبو عبيد - رحمه الله - ([66]).

وأجيب عن هذا الدليل بجوابين:

الأول:أن دعوى الإجماع هنا دعوى عارية عن الحجة والدليل، فلا إجماع مع وجود المخالف، ولعل من نقل الإجماع هنا أراد به قول الأكثر من الفقهاء، أو أنه لا يعرف غير هذا القول، وهذا لا يعني عدم وجود الخلاف.

ولهذا قال ابن القيم : " وهذا الذي ذهب إليه أبو عبيد هو المعروف عند الأئمة الأربعة، وجعلوا كراء الشجر بمنزلة بيع الثمر قبل أن يبدو صلاحه، ونازعهم في ذلك آخرون وقالوا: ليست إجارة الشجر من بيع الثمر في شيء، وإنما هي بمنزلة إجارة الأرض لمن يقوم عليها ويزرعها ليستغلها، وهذا مذهب الليث بن سعد، وأحد الوجهين في مذهب أحمد، اختاره شيخنا، وأبو الوفاء بن عقيل، وهو الذي نختاره "  ([67]).

والثاني: كما أجيب عن هذه الدعوى للإجماع بأنها على خلاف الواقع، بل الواقع يدل على اتفاق الصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم على جواز إجارة الأشجار، فقد فعل عمر بن الخطاب tذلك بالمدينة النبوية بمشهد من المهاجرين والأنصار ، وهذا الفعل من عمر tفي مظنة الاشتهار، ولم ينقل عن أحد أنه أنكره ([68]).

يقول شيخ الإسلام: " وقد ذكر هذا الأمر بعض فقهاء المغرب، وزعمأنّه خلاف الإجماع، وليس بشيء، بل ادعاء الإجماع على جوازه أقرب، فإن عمر tفعله بالمدينة النبوية، بمشهد من المهاجرين والأنصار، واشتهر ولم ينكر، مع أنهمكانوا ينكرون ما دون هذا على عمر" ([69]).

ويقول ابن القيم : " ومن ادعى أن ذلك خلاف الإجماع فمن عدم علمه، بل ادعاء الإجماع على جواز ذلك أقرب " ([70]) .

الدليل الثالث:أن هذه المعاملة تفتقدشرطاً من شروط صحة عقد الإجارة؛ إذ لابد في عقد الإجارة أن يكون محل العقد (المعقود عليه) المنفعة لا العين، فتكون الإجارة واقعة على نفع العين دون أجزائها، ولهذا لا يصح استئجار الطعام ليأكله، والحيوان ليأخذ لبنه، وإجارة الأشجار والنخل إجارة واقعة على الأعيان، لا على المنافع، فلا تجوز لذلك ([71]).

والذي يظهر لي أن أكثر الفقهاء قد انطلقوا في منعهم من إجارة الشجر لأخذ ثمره من هذا المنطلق، ففرعوا على هذا الشرط هذه المسألة، وأكثرهم لم يذكر لها دليلاً غير هذا، فمن خلال التتبع والنظر فيما تحمله كتب الفقهاء في سائر المذاهب نجد تفريع هذه المسألة والتمثيل به عند ذكرهم هذا الشرط، وهذا في كتب عامة الفقهاء من الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، ولعل من المناسب هنا نقل بعض النصوص من كتبهم، ليتضح للقارئ اعتماد أكثر الفقهاء في تحريمهم إجارة الشجر على اشتراط هذا الشرط.

لاستكمال القراءة يرجى تحميل ملفات الكتاب

word أو pdf

إظهار التعليقات
التعليقات
أضف تعليق
الإســـــــــــــــــــم :
البريد الالكترونى :
التعليــــــــــــــــق :
اكتب كود التحقق
1635
تعليقات فيس بوك

مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء