\حق الارتفاق\مؤلفات

كتاب حق الارتفاق

suhaiban.com/index-ar-show-35.html

كتاب حق الارتفاق
مشاهدات : 13025

الخميس 20 محرم 1436 هـ - الخميس 13 نوفمبر 2014 م

المقدمة

الحمد لله الحكيم الخبير، والصلاة والسلام على البشير النذير، وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:

لقد منّ الله سبحانه على أهل الإسلام خاصة والبشرية عامة فجعل في فقهاء المسلمين على مر العصور من يدرك حاجات مجتمعاتهم، فيجتهدوا في صياغة الأحكام الفقهية وفقاً لمتطلبات العصر، منطلقين من هداية القرآن الكريم والسنة النبوية، وما جاءت به الشريعة من رعاية المصالح والحقوق، ودرأ المفاسد والمظالم، ولقد حظيت سائر الحقوق بالدراسة والبحث من فقهائنا الأجلاء، ومن تلك الحقوق حق الارتفاق المتعلق بتحصيل منافع العقارات بأنواعها الخاصة والعامة، ومع أن هذا النوع من الحقوق قد أخذ اليوم طابعاً مختلفاً، إلا أن الكتابات الفقهية فيه لا تزال قاصرة عن الوفاء بما يتطلبه هذا العصر، الذي جدت فيه أنواعاً من حقوق الارتفاقات التي آلت إلى أنواع من المشكلات والمخالفات بسبب غياب النظام المستمد من الشرع المطهر، وإن كانت بعض النظريات القانونية في هذا الجانب متوفرة اليوم إلا أنها لا يمكن أن تعبر عن الرأي الفقهي، المستمد من أصول التشريع في الكتاب والسنة.

ومسائل الارتفاق يكتنفها شيء من التداخل والغموض، صرح بذلك بعض الفقهاء المتقدمين، حيث قال حسام الدين الشهيد([1]):" وجدت مسائل دعوى الحيطان والطرق ومسيل الماء من أصعب المسائل مراماً، وأعسرها التئاماً"([2])، ولئن كانت مسائل الارتفاق صعبة ومعقدة في ذلك الوقت فهي اليوم أصعب، وأكثر إشكالاً، فقد تعددت أنماط المعاملات والعادات والأعراف، واستجدت ألوان كثيرة من الحقوق المتعلقة بحق الارتفاق في العقارات الخاصة والعامة، مما يعني ضرورة مراجعة ما كتبه الفقهاء المتقدمون مع مراعاة هذا التغير أو التحول في عصرنا الحاضر.

ولعل هذا البحث يعتبر إضافة جديدة لإثراء بعض جوانب موضوع حق الارتفاق، ومساهمة في تتبع بعض صيغه وتطبيقاته المعاصرة، موقناً بأن بحث هذا الموضوع يحتاج إلى دراسة أكثر توسعاً وعمقاً وتحليلاً، ومقارنة بما هو موجود ومعمول به في الأنظمة الدولية، التي أخذت بها بعض البلدان الإسلامية.

ويمكن انتظام مسائل هذا البحث وتقسيمها إلى ستة مباحث هي كالتالي:

المبحث الأول : تعريف حق الارتفاق، وعلاقته بالحقوق العينية.

المبحث الثاني : الأصل في حقوق الارتفاق، والحكمة منها.

المبحث الثالث: أسباب ثبوت حقوق الارتفاق.

المبحث الرابع : حقوق الارتفاق قديماً، وما تشمله في هذا العصر.

المبحث الخامس : الأولوية في الارتفاق بالمنافع العامة.

المبحث السادس : حقوق الارتفاق في العصر الحاضر.

       والله سبحانه أسأل التوفيق والسداد في القول والعمل.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المبحث الأول : تعريف حق الارتفاق، وعلاقته بالحقوق العينية.

أولاً : تعريف الارتفاق :

الارتفاق لغة : الانتفاع, يقال: ارتفقت بالشيء إذا انتفعت به، والمرفق بكسر الميم وفتح الفاء هو ما يرتفق به، قال سبحانه : ﭽﭟ  ﭠ  ﭡ  ﭢ  ﭣﭼ([3]).

واسم المكان من ارتفق : مرتفق، قال تعالى : ﭽ ﯚ  ﯛ  ﯜ  ﯝ    ﭼ([4]).

أما الارتفاق في استعمال الفقهاء: فأكثر ما يطلق على المنافع التي تتحقق للعقار، وهو اصطلاح متأخر لم يشتهر عند المتقدمين من الفقهاء([5])، وإنما ذكروا أحكاماً متفرقة له في أبواب متفرقة، ويمكن أن نقف هنا  مع تعريفين:

الأول : تعريف الحنفية : أنه حق مقرر على عقار لمنفعة عقار آخر([6]).

الثاني: تعريف المالكية : أنه تحصيل منافع تتعلق بالعقار([7]).

ويلاحظ أن تعريف فقهاء المالكية أعم منه عند الحنفية، لأنه يشمل انتفاع الشخص بالعقار فضلاً عن انتفاع العقار بالعقار، كحق الشرب وحق المرور، لذلك يمكن أن يكون تعريف المالكية أعم وأصح.

والذي يستفاد مما أورده فقهاء الشافعية ([8])والحنابلة ([9])في صور الارتفاق أنهم يتفقون مع ما ذكره فقهاء المالكية في ذلك، فيشمل إطلاق مصطلح الارتفاق عندهم ارتفاق العقار بالعقار وارتفاق الشخص بالعقار.

وبهذا يعلم أن مفهوم حق الارتفاق هو تحصيل المنافع المتعلقة بالعقارات، أو ملاك العقارات، فالارتفاق إذن انتفاع بالعقار وما يتصل به من ماء ونحوه، سواء كان العقار خاصاً، أو كان عاماً يشترك في منفعته عموم الناس.

ثانياً : علاقة حق الارتفاق بالحقوق العينية:

الحقوق العينية: هي تلك الحقوق التي يقررها الشرع لشخص على شيء معين قائم بذاته، كالحقوق المتعلقة بالعقار([10]).

وحق الارتفاق – كما هو ظاهر – حق متقرر على عقار، فهو منصب على ذات شيء، كحق المرور – مثلاً  -متعلق بذات الطريق، فهو مرتبط أساساً بعين العقار.

ثالثاً: الفرق بين حق الارتفاق وحق الانتفاع:

الارتفاق نوع من أنواع الانتفاع ، لكن حق الارتفاق يختص عن سائر حقوق الانتفاع بخصائص، يظهر ذلك جلياً في مقارنة سريعة بين حق الارتفاق وحق الانتفاع، وبيانها كالتالي:

1 – حق الارتفاق حق مرتبط بالعقارات، أما حق الانتفاع فهو غير مرتبط بالعقار، بل ربما كان في العقار كالانتفاع بالعقار الموقوف، وربما كان بغير العقار من المنقولات كالانتفاع بإعارة الكتاب ونحوه.

2 – حق الارتفاق حق ثابت لشخص أو عقار، بينما حق الانتفاع لا يثبت إلا للأشخاص فقط.

3 – حق الارتفاق حق دائم ما دام العقار موجوداً وإن تعدد ملاكه، أما حق الانتفاع فهو مؤقت ينتهي في أحوال معينة.

4 – حق الارتفاق يورث حتى عند فقهاء الحنفية الذين لا يعتبرونه مالاً؛ لأنه تابع للعقار، بينما حق الانتفاع مختلف في إرثه بين الفقهاء  ([11]).

المبحث الثاني : الأصل في حقوق الارتفاق، والحكمة منها.

جاءت نصوص نبوية كريمة تدل على بعض حقوق الارتفاق فمن ذلك:

1 - ما جاء في ارتفاق الجار  بجدار جاره، فقد ثبت في السنة الصحيحة عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبه في جداره» ، ثم يقول أبو هريرة: «ما لي أراكم عنها معرضين، والله لأرمين بها بين أكتافكم» ([12]).

وهذا الحديث دليل ظاهر على حق الجوار، وهو من أسباب حق الارتفاق، وقد أورد الإمام مالك في الموطأ هذا الحديث في باب القضاء في المرافق،  ونقل الباجي عن مطرف وابن الماجشون قولهما:" وكل ما طلبه جاره من فتح باب، وإرفاق بماء، أو مختلف في طريق، أو فتح طريق في غير موضعه، وشبه ذلك، فهو مثل ذلك، لا ينبغي في الترغيب أن يمنعه مما لا يضره ولا ينفعه، ولا يحكم به عليه " ([13]).

قال ابن عبدالبر:"وبهذا الحديث وما كان مثله احتج من رأى القضاء بالمرفق، وأن لا يمنع الجار جاره وضع خشب في جداره، ولا كل شيء يضره" ([14]).

وقال -أيضاً- :"والقضاء بالمرفق خارج بالسنة عن معنى قوله (لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه)؛ لأن هذا معناه التمليك والاستهلاك وليس المرفق من ذلك، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد فرق في الحكم بينهما، فغير واجب أن يجمع ما فرق رسول الله صلى الله عليه وسلم" ([15]).

2 – وفي الصحيحين عن عروة بن الزبير، أن عبد الله بن الزبير، حدثه أن رجلاً من الأنصار خاصم الزبير عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، في شراج الحرة التي يسقون بها النخل، فقال الأنصاري: سرح الماء يمر، فأبى عليهم، فاختصموا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للزبير: " اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك، فغضب الأنصاري، فقال: يا رسول الله أن كان ابن عمتك فتلون وجه نبي الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: «يا زبير اسق، ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر» فقال الزبير: والله إني لأحسب هذه الآية نزلت في ذلك {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا} [النساء: 65] ([16]).

وهذا الحديث أصل في ارتفاق الناس وحقهم في الشرب.

قال الخطابي :" وفيه من الفقه أن أصل المياه الأودية والسيول التي لا تملك منابعها ولم تستنبط بحفر وعمل الإباحة، وأن الناس شرع سواء في الارتفاق بها، وأن من سبق إلى شيء منها فأحرزه كان أحق به من غيره" ([17]).

3 –  ما رواه جعفر محمد بن علي الباقر عن سمرة بن جندب، أنه كانت له عضد([18])من نخل في حائط رجل من الأنصار، قال: ومع الرجل أهله، قال: فكان سمرة يدخل إلى نخله فيتأذى به ويشق عليه، فطلب إليه أن يبيعه فأبى، فطلب إليه أن يناقله فأبى، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر ذلك له، فطلب إليه النبي صلى الله عليه وسلم أن يبيعه فأبى، فطلب إليه أن يناقله فأبى، قال: «فهبه له، ولك كذا وكذا» أمراً رغبه فيه فأبى، فقال: «أنت مضار» ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للأنصاري: «اذهب فاقلع نخله» ([19]).

وهذا الحديث فيه دلالة على نوع من أنواع حق الارتفاق وهو حق المرور، وثبوته في حال عدم الضرر، أما مع وجود الضرر فيمنع منه، وقد نقل ابن رجب عن الإمام أحمد في رواية حنبل بعد أن ذكر له هذا الحديث: "كل ما كان على هذه الجهة وفيه ضرر، يمنع من ذلك، فإن أجاب وإلا أجبره السلطان، ولا يضر بأخيه إذا كان ذلك فيه مرفق له" ([20]).

4 –  وقد عمل الصحابة رضوان الله عليهم بما حفظوه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في إجراء تلك الحقوق، فمن ذلك ما رواه مالك وغيره عن الضحاك بن خليفة أنه ساق خليجاً له من العريض، فأراد أن يمر به في أرض محمد بن مسلمة، فأبى محمد، فقال له الضحاك: لم تمنعني، وهو لك منفعة تشرب به أولاً وآخراً، ولا يضرك، فأبى محمد، فكلم فيه الضحاك عمر بن الخطاب فدعا عمر بن الخطاب محمد بن مسلمة فأمره أن يخلي سبيله، فقال محمد: لا، فقال عمر: " لم تمنع أخاك ما ينفعه، وهو لك نافع، تسقي به أولاً وآخراً، وهو لا يضرك، فقال محمد: لا والله. فقال عمر: والله ليمرن به، ولو على بطنك، فأمره عمر أن يمر به، ففعل الضحاك" ([21]).

يقول ابن حجر :" فحمل عمر الأمر (يعني ما ورد في عدم منع الجار جاره من غرز خشبه على جداره)على ظاهره  وعداه إلى كل ما يحتاج الجار إلى الانتفاع به من دار جاره وأرضه، وفي دعوى العمل على خلافه نظر" ([22]).

وجاء في سبل السلام في شرح هذا الأثر: "وهذا نظير قصة حديث أبي هريرة، وعممه عمر في كل ما يحتاج الجار إلى الانتفاع به من دار جاره وأرضه" ([23]).

ومثل هذا الأثر ما رواه مالك -أيضاً- عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه، أنه قال: كان في حائط جده ربيع لعبد الرحمن بن عوف، فأراد عبد الرحمن بن عوف أن يحوله إلى ناحية من الحائط هي أقرب إلى أرضه، فمنعه صاحب الحائط فكلم عبد الرحمن بن عوف عمر بن الخطاب في ذلك «فقضى لعبد الرحمن بن عوف بتحويله» ([24]).

يقول ابن عبدالبر:" أكثر أهل الأثر يقولون في هذا بما روي عن عمر رضي الله عنه، ويقولون ليس للجار أن يمنع جاره مما لا يضره"([25]).

وقال معقباً على الروايات المأثورة عن عمر رضي الله عنه:" القضاء بالمرفق خارج عن معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم (لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه) بدليل حديث أبي هريرة في غرز الخشب على الجدار، وقضاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه بأنه لا يجوز للجار أن يمنع جاره ما لا يضره، فيكون حينئذ معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم (لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه) خرج على الأعيان والرقاب واستهلاكها إذا أخذت بغير إذن صاحبها، لا على المرافق والآثار التي لا تستحق بها رقبة ولا عين شيء وإنما تستحق بها منفعة"  ([26]).

وقد عذل الإمام الشافعي الإمام مالكاً وأصحابه لروايتهم هذه الأحاديث والآثار وترك العمل بها، بحجة أنه ليس عليها العمل، فقال:"فرويتم في هذا الكتاب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حديثاً صحيحاً ثابتاً وحديثين عن عمر بن الخطاب ثم خالفتموها كلها، فقلتم في كل واحد منها لا يقضى بها على الناس، وليس عليها العمل، ولم ترووا عن أحد من الناس علمته خلافها، ولا خلاف واحد منها فعمل من تعني تخالف به سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فينبغي أن يكون ذلك العمل مردوداً عندنا، وتخالف عمر مع السنة؛ لأنه يضيق خلاف عمر وحده، فإذا كانت معه السنة كان خلافه أضيق، مع أنك أحلت على العمل ، وما عرفنا ما تريد بالعمل إلى يومنا هذا ، وما أرانا نعرفه ما بقينا" ([27]).

هذه بعض النصوص الخاصة في بعض أنواع الارتفاق، وهي تدل على ما سواها من حقوق الارتفاق في الأملاك الخاصة والعامة، ذلك أن الشريعة لا تفرق بين  المتماثلات، فكل حقوق الارتفاق المذكورة في كتب الفقهاء أو التي لم تذكر واستجدت في حياة الناس لها حكم تلك الحقوق التي قضى بها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضوان الله عليهم، إذا احتاج إليها الناس، وتضررت الأملاك والأموال بدونها، وقد دلّت عمومات النصوص على نفي الضرر ومنعه، في مثل قول المصطفى صلى الله عليه وسلم في الحديث المشهور"لا ضرر ولا ضرار"([28]).

يقول ابن عبدالبر معقباً على هذا الحديث:" وهو لفظ عام متصرف في أكثر أمور الدنيا، ولا يكاد أن يحاط بوصفه، إلا أن الفقهاء ينزعون به في أشياء مختلفة" ([29]).

ولذلك ذكر ابن عبد البر أن الإمام مالك جعل هذا الحديث في موطئه في أول باب القضاء بالمرفق، ثم أردفه بحديث أبي هريرة في الجوار، ثم أردف ذلك بحديثي عمر المذكورين في قصة ابن مسلمة وقصة المازني مع الضحاك وعبد الرحمن بن عوف، ثم قال ابن عبدالبر:" وكأنه جعل هذه الأحاديث مفسرة لقوله صلى الله عليه وسلم:" لا ضرر ولا ضرار" ([30]).

فالحكمة إذن من مشروعية حقوق الارتفاق دفع الضرر وتقليه على أصحاب الأملاك، ومراعاة حاجاتهم ومصالحهم، ولو لم تكن تلك الحقوق مشروعة للحق الناس في أملاكهم أنواع من الضرر، وربما كبر الضرر مع تطور الحياة ونموها وكثرة الحاجات، واتساع رقعة العمران والزراعة والإنتاج، فثبوت تلك الحقوق فيه مصلحة ظاهرة، ورفع للحرج والمشقة، وسيتضح هذا المعنى أكثر ويلاحظ في المباحث القادمة إن شاء الله.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المبحث الثالث: أسباب ثبوت حقوق الارتفاق.

يثبت حق الارتفاق على العقار بأحد الأسباب التالية:

السبب الأول : الشركة العامة :

ويعني ذلك اشتراك الجميع بمنافع العقارات المخصصة للنفع العام، كالطرق والجسور العامة، والأنهار الكبيرة، ومصارف المياه العامة، والحدائق والمواقف العامة، ويترتب على هذه العقارات حقوق ارتفاق لجميع العقارات المتصلة بها، بحسب طبيعة ما خصص له ذلك المرتفق ([31]).

مثال ذلك : الدار الواقعة على الطريق العام لها حق ارتفاق على الطريق هو حق المرور فيه إليها، يقول النووي في روضة الطالبين عند ذكره لتزاحم الحقوق في حق الطريق :" أما النافذ، فالناس كلهم يستحقون المرور فيه، وليس لأحد أن يتصرف فيه بما يبطل المرور، ولا أن يشرع فيه جناحاً، أو يتخذ على جدرانه ساباطاً يضر بالمارة، فإن لم يضر، فلا منع منهما، ويرجع في معرفة الضرر وعدمه إلى حال الطريق ... إلى أن قال : ويجوز لكل أحد أن يفتح الأبواب من ملكه إلى الشارع كيف شاء " ([32]).

والأرض الزراعية الواقعة على نهر عام لها حق ارتفاق عليه هو حق الشرب، وإجراء الماء لسقي زرعها وشجرها، والأرض المتصلة بمصرف عام للمياه لها عليه حق ارتفاق هو حق المسيل([33]).

وثبوت هذا الحق بهذا السبب - الشركة العامة – مشروط بعدم إحداث الضرر عند استعمال هذا الحق ، كما أشار النووي في المثال السابق .

بل نص الفقهاء على أنه لكل أحد أن يطالب أو يعترض لمن يخلّ بالطريق العام ببناء فيه أو نحو ذلك مما يضرّ ويضيق على الطريق، حفاظاً على الحق المشروع للجميع ([34]).

السبب الثاني : المعاوضة على حق الارتفاق :

يختلف الفقهاء في حكم عقد المعاوضة على حقوق الارتفاق، ولهم في كل حق من تلك الحقوق خلاف خاص، وذكر هذا الخلاف يطول جداً، ويخرج بالبحث عن مقصوده، إلا أن الغالب في تلك الحقوق جواز أخذ العوض في مقابلتها عند جمهور الفقهاء ([35]).

وإنما منع من ذلك بعض الفقهاء لما يترتب على المعاوضة من الجهالة والغرر، ولأن تلك الحقوق عندهم ليست أموالاً، فتصح المعاوضة عليها ([36]).

لكن الذي يظهر من كلام أكثر الفقهاء هو جواز المعاوضة -بالبيع أو الإجارة أو الصلح- على حق الارتفاق، للحاجة الداعية لذلك، ولأن الجهالة اليسيرة مغتفرة في الشرع، وهي جهالة محتملة لا تؤدي إلى النزاع، ولأن حق الارتفاق حق مالي تجوز المعاوضة عليه.

السبب الثالث : اشتراط حق الارتفاق في عقد معاوضة :

 اشتراط حق الارتفاق في عقد المعاوضة على العقار جائز عند عامة الفقهاء([37])، حتى الذين منعوا من المعاوضة على حق الارتفاق استقلالاً أجازوه تبعاً للعقار، يقول الكاساني:"ولو باع الأرض مع الشرب جاز تبعاً للأرض، ويجوز أن يجعل الشيء تبعاً لغيره وإن كان لا يجعله مقصوداً بنفسه كأطراف الحيوان" ([38]).

ومثال ذلك : لو باع شخص قطعة أرض له لآخر واشترط عليه أن يكون عليها حق مرور أو حق مجرى أو حق مسيل لقطعة أرض أخرى مملوكة له جاز ذلك في العقد.

السبب الرابع: التبرع بحق الارتفاق:

يثبت حق الارتفاق بالتبرع به، ولم أطلع على خلاف في هذا بين الفقهاء، فهو لازم قول من جوّز المعاوضة على حق الارتفاق ([39])، أما من منعه في بعض الصور– وهم الحنفية - فقد أجازوا التبرع به، جاء في الهداية:"وليس له أن يسقي أرضه ونخله وشجره من نهر هذا الرجل، وبئره وقناته إلا بإذنه نصاً، وله أن يمنعه من ذلك؛ لأن الماء متى دخل في المقاسم انقطعت شركة الشرب بواحدة؛ لأن في إبقائه قطع شرب صاحبه، ولأن المسيل حق صاحب النهر، والضفة تعلق بها حقه، فلا يمكنه التسييل فيه، ولا شق الضفة، فإن أذن له صاحبه في ذلك أو أعاره فلا بأس به؛ لأنه حقه فتجري فيه الإباحة" ([40]).

السبب الخامس: الإرث لحق الارتفاق:

حقوق الارتفاق تثبت بسبب الإرث؛ لأنها أموال  يجوز المعاوضة عليها، كما هو رأي جمهور الفقهاء، بل حتى الذين منعوا المعاوضة عن بعض حقوق الارتفاق قالوا بجواز إرثها؛ لأنها تثبت بطريق الحكم التبعي غير المقصود، بخلاف المعاوضة التي تثبت بطريق القصد، يقول ابن عابدين :" ويورث الشرب؛ لأن الملك بالإرث يقع حكماً لا قصداً، ويجوز أن يثبت الشيء حكماً، وإن كان لا يثبت قصداً، كالخمر تملك حكماً بالميراث، وإن لم تملك قصداً بسائر أسباب الملك" ([41]).

ويقول الزيلعي:"ويورث الشرب، ويوصى بالانتفاع بعينه، ولا يباع، ولا يوهب، والفرق أن الورثة خلفاء الميت فيقومون مقامه في حقوق الميت وأملاكه، وجاز أن يقوموا مقامه فيما لا يجوز تمليكه بالمعاوضات والتبرعات كالدين والقصاص والخمر فكذا الشرب"  ([42]).

السبب السادس: الوصية بحق الارتفاق:

الوصية –كما قال فقهاء الحنفية- أخت الميرات ([43])، فهي مثله يجوز فيها أن تكون سبباً في حصول الارتفاق، يقول السرخسي :"وإن أوصى فيه بوصية جاز؛ لأن الوصية أخت الميراث" ([44]).

وقال الكاساني:"ويوصي به- يعني حق الشرب- حتى لو أوصى لرجل أن يسقي أرضه مدة معلومة من شربه جازت الوصية وتعتبر من الثلث؛ لأن الوصية وإن كان تمليكاً لكنها تمليك بعد الموت، ألا ترى أن الموصى له لا يملك الموصى به في الحال وإنما يملك بعد الموت فأشبه الميراث، فإذا احتمل الإرث احتمل الوصية التي هي أخت الميراث" ([45]).

هذا عند فقهاء الحنفية، أما سائر الفقهاء الذين يجوّزون المعاوضة على حقوق الارتفاق فهم يجوّزون الوصية فيها من باب أولى.

السبب السابع: تقادم حق الارتفاق:

 اعتبار التقادم سبباً من أسباب ثبوت حق الارتفاق هو ما الذي يذكره عامة الفقهاء، ذلك أن ثبوت الارتفاق منذ زمن قديم دون معارضة من أحد يدل على أن الحق نشأ عن سبب صحيح وإن كان مجهولاً، لأن القدم وإن كان بمجرده لا ينشئ حقاً إلا أنه أمارة على ثبوت الحق ونشوئه عن سبب صحيح معتبر، يقول ابن قدامة:" وإذا وجد بناؤه أو خشبه على حائط مشترك، أو حائط جاره، ولم يعلم سببه، فمتى زال فله إعادته؛ لأن الظاهر أن هذا الوضع بحق من صلح أو غيره، فلا يزول هذا الظاهر حتى يعلم خلافه، وكذلك لو وجد مسيل مائه في أرض غيره، أو مجرى ماء سطحه على سطح غيره، وما أشبه هذا، فهو له؛ لأن الظاهر أنه له بحق فجرى ذلك مجرى اليد الثابتة، وإذا اختلفا في ذلك، هل هو بحق أو بعدوان؟ فالقول قول صاحب الخشب والبناء والمسيل مع يمينه؛ لأن الظاهر معه" ([46]).

ومثل هذا ذكره فقهاء الحنفية ([47])والمالكية ([48])والشافعية ([49]).

وذكر فقهاء الحنفية أن المعتبر في حد القدم هو أن لا يحفظ ما قبله، جاء في المحيط البرهاني :"وحد القديم أن لا يحفظ أقرانه وراء هذا الوقت كيف كان"([50]).

 السبب الثامن: الجوار، وهو خاص بحق ارتفاق الجوار:

الجوار في العقارات ينشئ حقوقاً بين المتجاورين، يجب على كل صاحب عقار مراعاتها، والأصل في ذلك ما ثبت في السنة الصحيحة عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبه في جداره» ، ثم يقول أبو هريرة: «ما لي أراكم عنها معرضين، والله لأرمين بها بين أكتافكم» ([51]).

وقد أخذ أهل الحديث وجماعة من الفقهاء بهذا النص النبوي وحملوه على الوجوب، فيجب على الجار تمكين جاره من المنافع المشتركة بينهما ما لم يكن بذلك ضرر عليه([52]).

وحمل جماعة من الفقهاء هذا الحديث على الندب والاستحباب فلم يروا ذلك لازماً، لأن الإنسان حرّ في ملكه، ولا يحلّ شيء منه إلا عن طيب نفس ([53]).

قال الطبري :" فدل صلى الله عليه وسلم بذلك أن إرفاق الرجل جاره بحمل أطراف خشبته على جداره، من أخلاق الناس وجميل أفعالهم، لا أن ذلك حق واجب له عليه، يقضى له به عليه إن امتنع من إرفاقه به"  ([54]).

لكن العمل بظاهر النص هو الأولى، خاصة في حال عدم الضرر البيّن على الجار، ولهذا فالجوار سبب من أسباب حق الارتفاق على الراجح.

وقد أخذت مجلة الأحكام العدلية بالقول بالوجوب، ففي نص المادة(1210):" أما إذا أراد أحدهما بناء بيت في عرصته فله أن يضع رؤوس جذوعه على الحائط، وليس لشريكه منعه، بل يقال له: ضع أنت مثل ذلك إن شئت" ([55]).

 

المبحث الرابع : حقوق الارتفاق قديماً، وما تشمله في هذا العصر.

جاءت أحكام الارتفاق في كتب المتقدمين من الفقهاء في مواضع متفرقة، وتحت عناوين مختلفة، فمن ذلك على سبيل المثال لا الحصر: أن بعض فقهاء الحنفية قد أوردوا تلك الحقوق في باب أو كتاب (الشرب)([56])، وبعضهم في كتاب (القسمة والاستحقاق) ([57])، بينما أوردها جماعة من فقهاء المالكية في باب (نفي الضرر في الشركة) ([58])، كما أوردها بعضهم وبعض الشافعية في كتاب (إحياء الموات) ([59]) ، وبعض الشافعية في باب (تزاحم الحقوق) ([60])، وأوردها الحنابلة في باب (الصلح) ([61]).

ولعل السبب في عدم انتظام تلك الحقوق تحت باب أو عنوان واحد متفق عليه بين جماعة الفقهاء أن مصطلح الارتفاق مصطلح جديد، وهو أيضاً محل خلاف فيما يشمله، لذلك تجد بعضهم يقتصر في تسمية حقوق الارتفاق على حقوق الجوار([62])، أو منافع الدار، وبعضهم يقصرها على حقوق العقارات بين بعضها فقط، والحنفية يطلقون الارتفاق على ما يرتفق به، ويختص بما هو من التوابع، كالشرب ومسيل الماء والطريق والمرور والمجرى والجوار، وأبو يوسف من الحنفية خص الارتفاق بمنافع الدار ([63])،  وقد تقدم جزء من هذا في المبحث الأول.

ولعلي في هذا المبحث أن أعرض حقوق الارتفاق كما ذكرها الفقهاء المتقدمون ونصوا عليها، وإن كان بعضها لم يعد موجوداً في عصرنا الحاضر على صورته السابقة ، لكن لا بد من ذكرها هنا كالتوطئة لما سيأتي من حقوق ارتفاق معاصرة، نص عليها فقهاؤنا المعاصرون، ليعلم القارئ أن أشكال حق الارتفاق لا ينبغي أن تقف عند حد معين، بل قد تأتي بأشكال مختلفة حسب حاجات كل عصر، ولكل من المرافق الآتي ذكرها مصطلح خاص به، وأحكام وتفصيلات في كل مذهب، ولذلك سأكتفي بتعريف كل واحد من هذه المرافق، مع بيان حكمه، وترك التفصيل للمصطلحات الخاصة بكل مذهب؛ مراعاة لموضوع البحث وحاجته، والمشهور في كتب الفقهاء ستة حقوق هي كالتالي:

أولاً : حق الشِرب:

الشِرب: لغة: الحظ والنصيب من الماء ([64]).

وفي الاصطلاح:هو الحظ والنصيب من الماء غير المحرز، والخاص بسقي المزروعات فقط([65]).

وحق الارتفاق بالشرب متفق عليه بين الفقهاء ([66])، وهو يختلف بحسب أنواع المياه التي ينتفع بها العقار، من مياه الأنهار الكبيرة والصغيرة ومياه الآبار والعيون والسيول وغيرها، وقد أورد الفقهاء مسائل كثيرة تتعلق بحق الشِرب، لا أرى حاجة لإثقال البحث فيها، خاصة وأن أكثرها من المسائل قليلة الحدوث اليوم.

أما مقدار حق الشرب فهو الإرواء، لأن حكم الشيء ما يفعل لأجله، وهو يختلف باختلاف الأرضين، وما فيها من شجر ونبت، ووقت الشرب صيفاً وشتاء، وحال الماء في استمراره واقطاعه، ولهذا فالمعتبر في حق الشرب هو قدر الكفاية، والكفاية معتبرة بالعرف والعادة المعهودة عند الحاجة، وهذا ما رجحه الإمامان الماوردي وأبو يعلى ([67]).

ولا يدخل في حق الشرب – بالكسر- سقي الإنسان والحيوان، بل ذاك يسميه الفقهاء حق الشفة ([68]).

ثانياً : حق المجرى:

المجرى لغة: اسم مكان، صيغ من مصدره وهو الجري([69]).

وفي الاصطلاح: حق إجراء الماء الصالح في أرض الغير لإيصاله إلى الأرض المراد سقيها ([70]).

وحق المجرى في حقيقته مرتبط بحق الشرب، فالشرب هو النصيب من الماء، والمجرى هو موضعه الذي يجري فيه، إلا أنه قد ينفصل الشرب عن المجرى في حال كون الأرض التي لها النصيب واقعة على موضع الشرب من الأنهار أو العيون ونحوها.

وحق المجرى يختلف بحسب اختلاف مكانه والملك الذي هو فيه، فقد يكون الحق في الارتفاق بالمجرى الخاص الذي يكون في عقار الغير، وقد يكون المجرى مشتركاً، وقد يكون عاماً، ويندرج تحت كل نوع من هذه الأنواع مسائل وأحكام خاصة، ناقشها الفقهاء المتقدمون في سائر المذاهب ([71]).

ومجاري المياه العامة في العصر الحاضر صارت تحت نظر الدولة ومسؤوليتها، فليس لأحد أن يتصرف فيها إلا بعد إذن الدولة.

ويمكن أن يلحق بحق المجرى في عصرنا الحاضر كل شيء يحتاج إلى إيصاله إلى العقارات والأراضي المحتاجة من كهرباء ووقود وزيوت، ونحو ذلك مما تحتاجه العقارات ويمر بعقارات أخرى مملوكة لأشخاص أو غير مملوكة.

ثالثاً: حق المسيل:

المسيل لغة: مجرى السيل وموضعه، والجمع (مسايل) و(مسل) بضمتين، والسيل مياه الأمطار إذا سالت ([72]).

وفي الاصطلاح:هو حق صرف الماء الزائد عن الحاجة أو غير الصالح بإرساله في مجرى سطحي أو في أنابيب أعدت لذلك، حتى يصل إلى مقره من مصرف عام أو مستودع([73]).

وقد ذكر الفقهاء أحكاماً خاصة في حق الارتفاق بالمسيل، ولا أرى حاجة للخوض فيها هنا، إلا أن من المهم أن نذكر أن المسيل على أربعة أنواع:

1-              المسيل العام: وهو الذي يشترك في حق الاتفاق فيه عموم الناس في عقاراتهم، فيسيل مياهه عبرها، بشرط عدم الضرر، وهذا النوع من الارتفاق في العصر الحاضر ترعاه وتنظمه الدول بوزارات ومؤسسات خاصة، عبر قنوات لتصريف مياه الأمطار أو الصرف الصحي من العقارات، مما يحفظ للناس هذا الحق العام، ويدفع عنهم الضرر.

2-             المسيل الخاص في عقار الغير: بأن يكون للإنسان حق تصريف مياه عقاره إلى عقار غيره، وهذا النوع يجري بين أصحاب الأملاك المشتركة أو الجيران، وثبوت حق الارتفاق في هذا النوع يحكمه تغير العرف والعادة حسب الأمكنة والأزمنة.

3-             المسيل المملوك في عقار الغير: وهذا النوع كالنوع السابق، إلا أن المسيل هنا مملوكاً لصاحبه في أرض غيره، فالحق ثابت له فيه.

4-             المسيل المشترك: وهو الذي يكون بين مجموعة من أصحاب العقارات، ويدخل في هذا ما يكون اليوم في مباني المجمعات السكنية أو التجارية التي يكون تصريف مياهها ومجاريها مشتركاً، فلكل منهم الحق في الارتفاق فيه، من غير إحداث ضرر بالآخرين([74]).

رابعاً : حق المرور:

المرور لغة: مصدر مرّ يمر مراً ومروراً، بمعنى جاء وذهب، ومرّ به ومرّه: جاز عليه، والممر: موضع المرور ([75]).

وفي الاصطلاح :هو حق مرور الإنسان إلى ملكه من طريق عام أو من طريق خاص في ملك غيره ([76]).

وتختلف طبيعة الارتفاق في حق المرور بحسب الطريق الذي يكون فيه المرور، وقد ذكر فقهاء الحنفية ([77])أن الطرق ثلاثة:

1-            الطريق الأعظم:وهو ما يسمى بالطرق العامة التي لا يختص بها فرد أو جماعة معينون، فلكل أحد من الناس حق الارتفاق بالمرور فيها، ويتبع حق المرور في الطرق العامة أنواع ارتفاقات أخرى منها مؤقتة كالجلوس أو البيع والشراء ، وإلقاء الطين ونحوه، ومنها حقوق دائمة كفتح الأبواب والنوافذ وإخراج الشرفات والأجنحة، والبناء والغرس، وغير ذلك مما يذكره الفقهاء هنا، وفي بعضها تفصيل وخلاف يطول ذكره، كما يلحق بحق المرور في الطرق العامة حقوق ارتفاقات استجدت في زمننا: كحق استعمال الطريق في الوقوف فيه بالسيارات، أو جعله مكاناً للدعاية والإعلان، ونحو ذلك ([78]) .

وقد اشترط عامة الفقهاء للارتفاق بالطرق العامة انتفاء الضرر عند الارتفاق أياً كان نوع الارتفاق، وذكروا لذلك صوراً من الأضرار ([79]) ، وهي تختلف من زمن لزمن، ويرجع في تقدير حجم الضرر ونوعه والمنع منه إلى نظر الدولة - كما سيأتي - ([80]) .

والطرق العامة سواء كانت مخصصة للسيارات الكبيرة أوالصغيرة أو للمشاة تكون تحت إشراف الدولة تعبيداً وحماية وصيانة، وينبغي أن تراعى في الطرق سعتها ليتمكن الناس من الانتفاع فيها على الوجه الصحيح، وقد جاء في صحيح مسلم وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا اختلفتم في الطريق، جعل عرضه سبع أذرع» ([81]).

قال الخطابي:"هذا في الطرق الشارعة، والسلُك النافذة، التي كثر فيها المارة أمر بتوسعتها؛ لئلا تضيق عن الحمولة، دون الأزقة الروابع التي لا تنفذ، ودون الطرق التي يدخل منها القوم إلى بيوتهم إذا اقتسم الشركاء بينهم ربعاً وأحرزوا حصصهم وتركوا بينهم طريقاً يدخلون منه إليها، ويشبه أن يكون هذا على معنى الارفاق والاستصلاح دون الحصر والتحديد" ([82]).

وما قاله الخطابي هو الصواب، فالحديث المقصود به حصول مصلحة الناس في الارتفاق بالطريق من غير حصر أو تحديد، بل كل زمان له ما يناسبه من سعة الطرق، بحسب الحاجة إلى أنواع الاستطراق، والارتفاق بالمرور وغيره ([83]).

2 - طريق إلى سكة غير نافذة:والمقصود بهذا هو الطريق الخاص لجماعة معينين، فهي مشتركة بينهم، وإن كان لغيرهم حق المرور فيها للحاجة، ولذلك لا يجوز لهم سدها أو بيعها وإن كانت في الأصل ملكاً لهم، كما لا يجوز لأحد منهم إحداث شيء فيها إلا بإذن الشركاء ([84]).

3 - طريق خاص في ملك إنسان:قد يتقرر حق الارتفاق بالمرور في عقار لمصلحة عقار آخر، وقد ترجم الإمام البخاري في صحيحه مبيّناً هذا الحق فقال في المساقاة: "باب الرجل يكون له ممر أو شرب في حائط أو نخل"، ونقل الحافظ ابن حجر عن ابن المنيّر قوله:"وجه دخول هذه الترجمة في الفقه التنبيه على إمكان اجتماع الحقوق في العين الواحدة، هذا له الملك وهذا له الانتفاع" ([85]).

وهذا ما نصت عليه المادة (1225) من مجلة الأحكام العدلية: " إذا كان لأحد حق المرور في عرصة آخر، فليس لصاحب العرصة أن يمنعه من المرور والعبور " ([86]).

خامساً : حق الجوار:

الجوار لغة: مصدر جاور يجاور مجاورة وجواراً، والجار المجاور في السكن، ويطلق الجار: على الشريك في العقار، والخفير الذي يجير غيره ويؤمنه، والحليف والزوج ([87]).

ويمكن تعريف حق الجوار في الاصطلاح بأنه: حق يثبت لعقار على عقار مجاور له، يتمكن الجار بسببه من تمام الانتفاع بملكه، أو يمنعه من بعض التصرفات.

لاستكمال القراءة يرجى تحميل ملفات الكتاب

word أو pdf

إظهار التعليقات
التعليقات
أضف تعليق
الإســـــــــــــــــــم :
البريد الالكترونى :
التعليــــــــــــــــق :
اكتب كود التحقق
3464
تعليقات فيس بوك

مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء