\منزلة الأدلة العقلية وتطبيقاتها عند الفقهاء\مؤلفات

منزلة الأدلة العقلية وتطبيقاتها عند الفقهاء

suhaiban.com/index-ar-show-36.html

منزلة الأدلة العقلية وتطبيقاتها عند الفقهاء
مشاهدات : 5330

الخميس 20 محرم 1436 هـ - الخميس 13 نوفمبر 2014 م

المقدمة

الحمد لله على شرعه وتيسيره ، وصلى الله على محمد صفوته من خلقه وخليه، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه وانتفع بقيله ، وبعد :

فبالعقل كرم الله تعالى الإنسان وفضله على سائر المخلوقات ، وبالعقل سخّر له ما في السماوات وما في الأرض وجعله سيد هذه الأرض والخليفة فيها ، والإسلام رفع قيمة العقل البشري واحترمه وأعلى من شأنه، بل جعل التعقل والتفكير والتدبر فريضة إسلامية، يلزم كل مسلم أن يؤديها حقها، وجعل الإسلام العقل مناط التكليف، فبالعقل تدرك الأشياء على وجهها ، ويوصل إلى الحق والعدل، لذلك فلا غرابة أن نجد آيات القرآن الكريم تثني على أصحاب العقول والألباب ، وتوبخ أولئك الذي لم يستعملوا عقولهم في معرفة الحق والهداية حتى هلكوا ، ولا غرابة أيضا أن نجد القرآن الكريم يكثر من استثارة العقل ليؤدي دوره الذي خلقه الله له ، ولذلك نجد عبارات (لعلكم تعقلون) و (لقومٍ يتفكرون) و (لقومٍ يفقهون) ونحوها تتكرر عشرات المرات في سياق آيات القرآن العزيز .

لقد أبرز الإسلام بمبادئه ونصوصه المتظاهرة أبعاد تكريمه للعقل واهتمامه به في مواضع عدة ، لعل من أهمها  ما نحن بصدده  من إسناده استنباط الأحكام الشرعية فيما لا يوجد فيه نص من كتاب أو سنة أو إجماع إلى العقل .

ولهذا كان القصد من هذا البحث بيان المنهج الفقهي في الاستدلال بالعقل في الأحكام الشرعية على اختلاف أنواعها، وإظهار ما للفقه الإسلامي من دور في إعمال للأدلة العقلية في كثير من أبواب الشريعة، الأمر الذي حثّ عليه الشرع ببيان الإطار الصحيح المنضبط، والموازنة العادلة بين العقل والشرع .

 يقول الإمام الغزالي: " أشرف العلوم ما ازدوج فيه العقل والسمع، واصطحب فيه الرأي والشرع، وعلم الفقه وأصوله من هذا القبيل؛ فإنه يأخذ من صفو الشرع والعقل سواء السبيل، فلا هو تصرَّف بمحض العقول بحيث لا يتلقاه الشرع بالقبول، ولا هو مبني على محض التقليد الذي لا يشهد له العقل بالتأييد والتسديد"  ([1]) .

وتبرز أهمية دراسة موضوع الأدلة العقلية عند الفقهاء من خلال النقاط التالية :

1- أن بيان ومعرفة الأدلة العقلية وضبط أصول الاستدلال الشرعية واجب شرعي، حماية للدليل العقلي الصحيح المعتبر ، وحفظاً له من الاختلاط بالأدلة الزائفة ، وفي هذا وذاك صيانة للفقه الإسلامي من الانفتاح المترتب على وضع مصادر جديدة للتشريع، ومن الجمود المترتب على دعوى إغلاق باب الاجتهاد.

2 -  أن في بيان أصول الاستدلال العقلي عند الفقهاء تيسيراً لعملية الاجتهاد ، لإعطاء الحوادث المستجدة والنوازل ما يناسبها من الأحكام الشرعية .

3- أن دراسة الأدلة العقلية التي يعتمد عليها الفقهاء وبيانها ولو على وجه الإجمال ، يدل على ما كان عليه الفقهاء من ضبط للفتوى، والتزام لشروط المفتي، وآدابه.

4- أن دراسة منهج الفقهاء في الاستدلال بالأدلة العقلية مفيد لمعرفة الأسباب التي أدت إلى وقوع الخلاف بين الفقهاء ، والتماس الأعذار لهم في ذلك ، كما أنه مفيد في الاطلاع على قواعد الحوار والمناظرة عند المتقدمين، وضبط ذلك بالرجوع إلى الأدلة الصحيحة المعتبرة.

5- في هذا الموضوع يستطيع القارئ المتجرد الوقوف على سماحة الشريعة الإسلامية ويسرها، ويدرك مدى شمول هذه الشريعة وحيويتها وقدرتها على مواكبة النمو البشري.

وفي البحث تمهيد ، وخمسة مباحث هي :

المبحث الأول :  القياس .

المبحث الثاني :  الاستحسان.

المبحث الثالث : المصالح المرسلة .

المبحث الرابع : سد الذرائع.

المبحث الخامس : الاستصحاب .

وسوف أتناول هذه الأدلة العقلية الخمسة ببيان مدى حجيتها ، ومدى اعتبارها عند فقهاء المذاهب الأربعة، بذكر تطبيقات الفقهاء واستعمالهم لها على وجه الإجمال ، قاصداً بذلك بيان أصول الأدلة العقلية عند الفقهاء ، وجمع هذه الأدلة بصورة تسهل على القارئ غير المتخصص الاطلاع على بعض أصول الاستدلال عند علماء الشريعة ، وتبيّن له كمال هذه الشريعة وشمول أحكامها لكل متطلبات الحياة على كل الأصعدة وفي كل المجالات  والأوقات ، ولا عجب في ذلك فهي الشريعة التي اختارها الرحمن الرحيم لتكون خاتمة الشرائع وأكملها وأحسنها.

فلله الحمد على ما شرع ويسر،  وحكم ودبر .

 

 

 

 

 

التمهيد : ويشمل :

أولاً : تعريف العقل ، ومحله ، وأثر ذلك في المسائل الفقهية .

1 -  العقل في اللغة :

يذكر أهل اللغة أن للعقل ِعدة معان، وهي متقاربة، وفي بعضها تداخل، فقالوا : العقل هو الحجر والنهي، ضد الحمق، والعاقل: هو الجامع لأمره ورأيه، وقيل : الذي يحبس نفسه ويردها عن هواها، قالوا : وسمي العقل عقلاً لأنه يعقل صاحبه عن التورط في المهالك، أي يحبسه، والعقل- أيضاً - التثبت في الأمور، ويأتي العقل – أيضاً-  بمعنى الفهم، يقال : ( عَقَلَ الّشْيء يَعْقِلهُ عَقْلاً ) إذا فهمه ، وبمعنى الْمَلْجَأُ ، يقال: ( فُلان مَعْقِلُُ لقومه ) أي : هو مَلْجَأ لهم . ومن الألفاظ المرادفة في اللغة للعقل : اللب ، والحِجْر، والنُهى، والحلم، والحجى ([2]) .

2 - العقل في الاصطلاح :

اختلفت اصطلاحات العلماء في تحديد معنى العقل وماهيته، نظراً لكونه اسماً مشتركاً يُطلق على عدد من المعاني ، قال الغزالي : " وكذلك إذا قيل : ماحَدُّ العقل؟  فلا تطمع في أن تحدَّهُ بحدٍ واحد ، فإنه هَوَس ، لأن اسم العقل مشترك يطلق على عدة معانٍ ، إذ يطلق على بعض العلوم الضرورية ، ويطلق على الغريزة التي يتهيّأ بها الإنسان لدَرْك العلوم النظرية ، ويطلق على العلوم المستفادة من التجربة حتى إنَّ مَنْ لم تحنّكه التجارب بهذا الاعتبار لا يُسمَّى عاقلاً ، ويطلق على مَنْ له وقار وهيبة وسكينة في جلوسه وكلامه ، وهو عبارة عن الهدوء فيقال : " فلان عاقل " أي فيه هدوء ، وقد يطلق على مَنْ جَمَعَ العمل إلى العلم حتى إنَّ المفسد وإن كان في غايةٍ من الكياسة يمنع عن تسميته عاقلاً… ، فإذا اختلفت الاصطلاحات فيجب بالضرورة أن تختلف الحدود " ([3]) .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية : " العقل قد يراد به القوة الغريزية في الإنسان التي بها يفعل وقد يراد به نفس أن يعقل ويعي ويعلم، فالأول قول الإمام أحمد وغيره من السلف : العقل غريزة والحكمة فطنة. والثاني قول طوائف من أصحابنا وغيرهم : العقل ضرب من العلوم الضرورية، وكلاهما صحيح فإن العقل في القلب مثل البصر في العين يراد به الإدراك تارة ويراد به القوة التي جعلها الله في العين يحصل بها الإدراك. فإن كل واحد من علم العبد وإدراكه، ومن علمه وحركته حول ، ولكل منهما قوة ولا قوة إلا بالله " ([4]) .

ولعل في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ما يفيد : أن العقل في حقيقته : غريزة أودعها الله هذا المخلوق (الإنسان) للتمييز والإدراك ، وله قوة استنتاج وحفظ وذاكرة ، وكل ذلك منحة الله لمن يشاء من عباده .

3 - محل العقل :

هذه مسألة فيها خلاف مشهور بين أهل العلم قديماً وحديثاً ،فذهب جماعة أن العقل في القلب، وقال آخرون : هو في الدماغ، وقيل : في الرأس ، وقيل غير ذلك .

ولا أرى طائلاً من التفصيل في هذه المسألة وحشو البحث بكثرة الأدلة والمناقشات حول هذه القضية ، ذلك أن الخطب في هذه المسألة يسير، والفائدة المرجوة من النتيجة العلمية فيها قليلة ، لذا سأكتفي بذكر القول المختار في محل العقل مع ذكر بعض الأدلة لهذا القول:

فالمختار في محل العقل أنه في القلب ، وله اتصال بالدماغ .

 وإنما كان هذا القول هو المختار لما يلي :

أولاً : أن هذا القول جامع بين الدليل الشرعي والدليل الحسي ، فإن الدليل الشرعي -الكتاب والسنة- دل على أن محل العقل والتحكم في تصرفات الإنسان هو القلب،قال الله تعالى: )أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ([الحج : 46]، فتأمل قوله سبحانه )قلوب يعقلون بها (، حيث جعل القلوب آلة العقل ، ثم أكد أن المراد به القلب الحقيقي الموجود في الصدور بقوله: )ولكن تعمى القلوب التي في الصدور (فدل هذا على أن القلب هو الذي يبصر المعاني ويميز بينها ويعقلها . 

وأما الدليل الحسي فقد قام الدليل على أن للدماغ تأثيراً كبيراً في إحساس الإنسان وتصوراته وأنه إذا اختل الدماغ اختل التصور والإحساس  .

ثانياً : أن هذا القول فيه جمع بين نصوص الوحي وما يقال في العلم الحديث ، من جهة أن القلب في حقيقته كالمولد للطاقة، والدماغ كالشمعة يضئ ويكشف الحقائق ولو احترقت لم نستفد من المولد شيئاً ، فالمخ هو جهاز التصور والإدراك، فهو يتصور الأشياء ويدركها ثم يبعث بها إلى القلب والقلب يتصرف ويتحكم، كما نقول في حاسة السمع والبصر تدرك المسموع والمرئي وتبعث بها إلى القلب فيحكم ويتصرف، ويؤيد هذا أن الله تعالى نفى العقل عن الكفار مع أن لهم تصوراً وإدراكاً ، لكن لفساد تصرفهم صاروا كمفقودي العقل .

فعلى هذا يكون محل تصور المعاني والمعقولات الدماغ، أما الذي يحكم البدن ويتصرف فيه فهو القلب، ومعلوم أنه إذا اختل محل التصور لم يمكن العقل، لأن محل التصور هو الجسر الذي يعبر منه إلى القلب فإذا اختل لم يصل إلى القلب شيء فيختل العقل ([5]) .

4- الثمرة الفقهية لهذا الخلاف :

يتفرع على الخلاف في محل العقل الخلاف في مقدار الواجب في الجناية على الرأس إذا ذهب بسببها العقل، فالذين قالوا : العقل في القلب ، قالوا الواجب دية العقل وأرش الجناية ، والذين قالوا العقل في الرأس قالوا الواجب دية العقل فقط ، لأن المنفعة تابعة للعضو .

قال الزركشي : " ومما يتفرع على الخلاف في أن محله ماذا ؟ مالو أُوضح (الموضحة الشجة التي تصل إلى العظم)رجل فذهب عقله، فعند الشافعي ومالك: يلزمه دية وأرش الموضحة ، لأنه أتلف عليه منفعةً ليست في عضو الشجة تبعاً لها، وقال أبو حنيفة: إنما عليه دية العقل فقط ، لأنه إنما شجَّ رأسه، وأتلف عليه العقل الذي هو منفعة في العضو المشجوج ، ودخل أرش الشجة في الدية "([6]).

ثانيا : منزلة الأدلة العقلية في التشريع الإسلامي، ومكانتها عند الفقهاء.

يذكر علماء الأصول أن الأدلة الشرعية نوعان([7]):

الأول :الأدلة النقليَّة: وهي: الكِتابُ، والسُّنَّة، والإجماعُ، وشرعُ من قبلَنَا ، وسمِّيتْ (نقليَّةً) لأنَّها راجعةٌ إلى النَّقلِ ليسَ للعقلِ شيءٌ في إثباتهَا.

الثاني :الأدلة العقليَّة:وهي - عند أكثرهم - : القِياسُ، ولاستحسان، والمصلحَةُ المُرسلَة، وسد الذرائع، والاستصحابُ، وسمِّيتْ (عقليَّةً) لأنَّ مردَّها إلى النَّظرِ والرَّأيِ وإنْ لم تستقلَّ بها العُقُولُ.

وهذه الأدلة العقلية غير القياس، محل خلاف عند الأصوليين من جهة التنظير؛ لأن الواقع العملي يشهد بأن سائر العلماء والأئمة كان لهم نصيب من العمل بواحد من هذه الأدلة المتقدمة – كما سيأتي بيان ذلك - .

 ومما يؤيد ذلك قول السُّبْكِيُّ :" اعْلَمْ أَنَّ عُلَمَاءَ الْأُمَّةِ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ ثَمَّ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ غَيْرُ مَا تَقَدَّمَ، وَاخْتَلَفُوا فِي تَشْخِيصِهِ فَقَالَ قَوْمٌ هُوَ الِاسْتِصْحَابُ، وَقَالَ قَوْمٌ هُوَ الِاسْتِحْسَانُ، وَقَالَ قَوْمٌ هُوَ الْمَصَالِحُ الْمُرْسَلَةُ، وَنَحْوَ ذَلِكَ " ([8]).

والواجب أن يجعل ما قاله الله ورسوله rهو الأصل لجميع الأدلة، ويتدبر معناه ويعقله، ويعرف برهانه ودليله العقلي والخبري السمعي، ويعرف دلالته على هذا وهذا، إذ هو الفرقان بين الحق والباطل والهدى والضلال، وهو طريق السعادة والنجاة، فهو الحق الذي يجب اتباعه ، وما سواه من كلام الناس يعرض عليه، فإن وافقه فهو حق، وإن خالفه فهو باطل([9]).

يقول ابن تيمية : " ولولا الرسالة لم يهتد العقل إلى تفاصيل النافع والضار في المعاش والمعاد ، فمن أعظم نعم الله على عباده وأشرف مِنَّة عليهم أن أرسل إليهم رسله ، وأنزل عليهم كتبه ، وبين لهم الصراط المستقيم ، ولولا ذلك لكانوا بمنزلة الأنعام والبهائم ، بل أشر حالاً منها ، فمن قَبِلَ رسالة الله واستقام عليها فهو من خير البرية ، ومن ردها وخرج عنها فهو من شر البرية "  ([10]).

وكما أنه لا يجوز أن يحتج في السمعيات بالأحاديث الضعيفة والموضوعة ، فكذلك لا يجوز الاستدلال بالعقليات من سائر أنواع الأدلة حتى يثبت صحة هذا الدليل وصراحته ، ودلالته على المقصود ، حتى لا يقع في شرع الله تعالى ما ليس منه .

وينبغي أن يعلم أن العقل الصريح موافق ولا بد للنقل الصحيح ؛ بل العقل والنقل أخوان نصيران وصل الله بينهما وقرن أحدهما بصاحبه، وأقام بهما حجته على عباده، فلا ينفك أحدهما عن صاحبه أصلاً ، فالكتاب المنزل والعقل المدرك؛ حجة الله على خلقه([11]).

ولهذا لا يوجد في كلام أحد من السلف أنه عارض القرآن بعقل ورأي وقياس، ولا قال أحد منهم: قد تعارض في هذا العقل والنقل، فضلاً عن أن يقول: فيجب تقديم العقل على النقل([12]).

هذا وقد ذكر ابن تيمية أن العلوم ثلاثة أقسام :

1 - منها ما لا يعلم إلا بالأدلة العقلية، وذلك كثبوت النبوة وصدق الخبر، وأحسن هذه الأدلة ما بينه القرآن وأرشد إليه.

2 - ومنها ما لا يعلم إلا بالأدلة السمعية، وذلك كتفاصيل الأمور الإلهية وتفاصيل العبادات، وذلك إنما يكون بطريق خبر الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام-المجرد، والواجب على العقل والحالة كذلك التسليم لما جاء به السمع، حتى لا يبقى العقل حائرا .

3 - ومنها ما يعلم بالسمع والعقل، وذلك مثل كون رؤية الله ممكنة أو ممتنعة([13]).

وبهذا يعلم أن العقل موظَّف للعمل بالنصوص الشرعية، ومُسْتَثْمَر في فهم مقاصدها ومعرفة دلالاتها ، وهذا من شأنه أن يحرر العقل من أسر التقليد وغل العادات حتى يكون في مستوى المكانة التي وضعه فيها الإسلام الحنيف .

ومنهج السلف الصالح رضي الله تعالى عنهم في تعاملهم مع العقل منهج يقوم على الوسطية والاعتدال ، فقد عرفوا ما أعطاه الله تبارك وتعالى للعقل من مساحة يتحرك خلالها ليؤدي وظيفته التي أرادها الله عز وجل منه وهي فَهْمُ مراده سبحانه من النصوص الشرعية حتى يوجه صاحبه للعمل بها دونما زيغ أو شطط .

وجعلوا ذلك العقل في الوقت نفسه تابعاً للنقل لا يعارضه في حكم ، ولا يستقل عنه بتصور ، بل يستنير بنوره ويهتدي بهداه .

ولو أن من شط بعقله سلك هذا المنهج الوسطي المعتدل لسعد بهذا العقل ولما شقي به أبداً ، فإن كل من قاده عقله إلى طريق الشقاء إنما كان ذلك نتيجة الغلو في تعظيم العقل ووضعه في المقام الذي لا يناسب حجمه ، أو نتيجة تعطيل ذلك العقل دون استثمار لطاقاته واعتبار لقدراته اتكالاً على تقليد أعمى ، أو وقوفاً عند عادة من العادات حُتّم عليه اتباعها وحُرَّم عليه اجتنابها ([14]).

 

 

 

 

 

 

المبحث الأول : القياس :

وفيه مطلبان :

المطلب الأول : تعريف القياس ، ومدى حجيته .

المطلب الثاني : أنواع الاستدلال بالقياس وتطبيقاته . 

المطلب الأول: تعريف القياس وحجيته :

أولاً : تعريف القياس :

القياس لغـة([15]): التقدير، ومنه قولهم: قست الثوب بالذراع، إذا قدرتهبه.

وفي اصطلاح الأصوليين يمكن تعريفه بأنه: "حمل فرع على أصل في حكم بجامع بينهما"([16]).

ثانياً : حجية القياس ومنزلته في الشريعة :

اتفق أصحاب المذاهب الأربعة على إثبات القياس والاحتجاج به من حيث الجملة([17])، بل إن أكثر علماء الأصول يذكرون القياس ضمن الأدلة المتفق عليها ([18]).

ولم يخالف في حجية القياس في مسائل الأحكام الفقهية العملية من أهل السنة إلا الظاهرية ومن تبعهم تبعاً للإمام داود بن علي المعروف بالظاهري([19]) .

 قال أبو عمر ابن عبد البر: « لا خلاف بين فقهاء الأمصار وسائر أهل السنة – وهم أهل الفقه والحديث – في نفي القياس في التوحيد وإثباته في الأحكام، إلا داود بن علي بن خلف الأصبهاني ثم البغداديومن قال بقوله فإنهم نفوا القياس في التوحيد والأحكام جميعًا.....»([20]).

والحقيقة أن خلاف من خالف في حجية القياس إنما هو مكابرة ، ودفع للواقع ، فإنه ليس يخلو كتاب من كتب الفقه الإسلامية المعتبرة للدليل من العمل بالقياس ، لذلك  قال ابن عبد البر: "وأما القياس على الأصل والحكم للشيء بنظيره فهذا مما لا يختلف فيه أحد من السلف، بل كل من رُوي عنه ذم القياس قد وُجد له القياس الصحيح منصوصًا، لا يدفع هذا إلا جاهل أو متجاهل مخالف للسلف في الأحكام"([21]).

وينبغي أن يعلم أن عموم السلف الذين أخذوا بالقياس واحتجوا به جعلوا ذلك وفق ضوابط أهمها عدم وجود دليل أقوى من القياس، كالنصوص القاطعة ؛ لأن وجود النص يسقط القياس، فلا بد أولاً من البحث عن النص قبل استعمال القياس حتى لا يُصار إلى القياس إلا عند عدم النص .

قال الشافعي: "ونحكم بالإجماع ثم القياس، وهو أضعف من هذا، ولكنها منزلة ضرورة؛ لأنه لا يحل القياس والخبر موجود، كما يكون التيمم طهارة في السفر عند الإعواز من الماء، ولا يكون طهارة إذا وجد الماء، إنما يكون طهارة في الإعواز"([22]).

كما أن هناك ضوابط أخرى للقياس حتى يكون في نفسه قياساً صحيحاً ، ولذا فينبغي أن لا يصدر القياس في الشريعة ولا يستعمل في الاستدلال على الأحكام إلا من أهل العلم وأرباب الفقه ، ممن أدرك الأقيسة الصحيحة والفاسدة ، و عرف شروط القياس المعتبرة عند العلماء .

أما استعمال القياس وبناء القول أو الفتوى عليه مع الجهل بقواعد الشريعة وضوابط أصول القياس الصحيح فهذا مذموم عند السلف وهو قياس باطل ورأي فاسد، لا يصدر إلا ممن قلّ نصيبه من العلم والإيمان ([23]).

ذلك أن القياس الصحيح المعتبر في الشريعة هو الميزان الذي أنزله الله مع كتابه، قال تعالى: ]اللهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ[[الشورى: 17]، وقال سبحانه: ]لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ[[الحديد: 25].

قال ابن تيمية: "وكذلك القياس الصحيح حق، فإن الله بعث رسله بالعدل، وأنزل الميزان مع الكتاب، والميزان يتضمن العدل وما يُعرف به العدل"([24]).

وقال ابن القيم: "فالصحيح [يعني من القياس] هو الميزان الذي أنزله مع كتابه"([25]).

ولهذا قال أهل العلم : إن حقيقة القِياسِ إبانةٌ عن الحكمِ الشَّرعيِّ الَّذي دلَّ عليه النَّصُّ وإظهارٌ له من قِبَلِ المجتهدِ بضربٍ من التَّشبيهِ لغير المنصوصِ بالمنصوصِ، وليس هو إثبات حُكمٍ شرعيٍّ من غير أصلٍ، بل الحُكمُ موجودٌ إلاَّ أنه ليس بظاهرِ، فيكشفُ عنهُ المجتهدُ بطريقِ القياسِ، لذا فإنَّه مسلكٌ اجتهاديٌّ في حدودِ نصوصِ الكتابِ والسُّنَّةِ بضوابطِ معيَّنةٍ  ([26]).

ومن أجل هذا فإنه لا يمكن أن يقع بين النصوص والقياس شيء من التعارض أو التناقض، بل يجب موافقة القياس الصحيح لنصوص الشريعة؛ إذ ليس في الشريعة شيء على خلاف القياس؛ فإن الشريعة جاءت بالجمع بين المتماثلات والتفريق بين المختلفات، والقياس من قبيل الجمع بين المتماثلين فيكون موافقًا للشريعة([27]).

ولابن تيمية رسالة نفيسة في بيان أنه ليس في الشريعة ما يخالف قياسًا صحيحًا([28])، كما عقد ابن القيم في ذلك فصلاً في كتابه القيم "إعلام الموقعين"، فقال: "فصل في بيان أنه ليس في الشريعة شيء على خلاف القياس......"([29]).

ومما قاله شيخ الإسلام رداً على من ادعى وقوع اختلاف بين الخبر والقياس : "...وليس من شرط القياس الصحيح المعتدل أن يعلم صحته كل أحد ، فمن رأى شيئًا من الشريعة مخالفًا للقياس فإنما هو مخالف للقياس الذي انعقد في نفسه، ليس مخالفًا للقياس الصحيح الثابت في نفس الأمر، وحيث علمنا أن النص جاء بخلاف قياس: علمنا قطعًا أنه قياس فاسد.....فليس في الشريعة ما يخالف قياسًا صحيحًا، لكن فيها ما يخالف القياس الفاسد، وإن كان من الناس من لا يعلم فساده"([30]).

المطلب الثاني : أنواع الاستدلال بالقياس ، وتطبيقاته . 

أولاً : ما يجري فيه القياس من الأحكام الشرعية:

ذكر ابن تيمية أن غالب الأحكام الشرعية التي تثبت بالنص يمكن إثباتها بالقياس، لأنه ليس في هذه الشريعة شيء يخالف القياس ، قال ابن تيمية: "ومن كان متبحرًا في الأدلة الشرعية أمكنه أن يستدل على غالب الأحكام بالنصوص وبالأقيسة"([31]).

ولم يزل علماء الأمة من لدن الصحابة الكرام إلى يومنا هذا يستدلون بالقياس ، ويتخذونه مورداً من موارد الأدلة ، وأصلاً من أصول الاستدلال ، لذلك نقل إجماع الصحابة رضي الله عنهم على الحكم بالقياس في وقائع كثيرة تصل بمجموعها إلى حد التواتر([32]).

فمن ذلك قياس الزكاة على الصلاة في قتال الممتنع منها بجامع كونهما عبادتين من أركان الإسلام([33]).

ومع اتفاق عامة الفقهاء على العمل بالقياس إلا أن القياس في قوته ليس على درجة واحدة، بل منه ما هو قياس قوي ظاهر ، وهذا يسميه العلماء بالقياس الجلي ومنه ما هو ضعيف وهذا يسميه العلماء بالقياس الخفي([34]).

والقياس الجلي: هو ما قُطع فيه بنفي الفارق المؤثر، أو كانت العلة الجامعة بين المقيس والمقيس عليه منصوصًا أو مجمعًا عليها، وهذا النوع من القياس لا يُحتاج فيه إلى التعرض لبيان العلة الجامعة، لذلك سُمي بالجلي، وذلك مثل قياس إحراق مال اليتيم وإغراقه على أكله في الحرمة الثابتة في قوله تعالى: ]إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا[[النساء: 10].

وهذا النوع من القياس متفق عليه، وهو أقوى أنواع القياس لكونه مقطوعًا به ، بل حتى نفاة القياس يقولون به ، وإن كانوا لا يسمونه قياساً ، يقول الإمام الشوكاني : " اعلم أن نفاة القياس لم يقولوا بإهدار كل ما يسمى قياساً وإن كان منصوصا على علته أو مقطوعاً فيه بنفي الفارق بل جعلوا هذا النوع من القياس مدلولاً عليه بدليل الأصل مشمولاً به مندرجاً تحته وبهذا يهون عليك الخطب ويصغر عندك ما استعظموه ويقرب لديك ما بعدوه لأن الخلاف في هذا النوع الخاص صار لفظياً وهو من حيث المعنى متفق على الأخذ به والعمل عليه واختلاف طريقة العمل لا يستلزم الاختلاف المعنوي لا عقلاً ولا شرعاً ولا عرفاً " ([35]).

أما القياس الخفي: فهو ما لم يُقطع فيه بنفي الفارق، ولم تكن علته منصوصًا أو مجمعًا عليها، وذلك مثل قياس القتل بالمثقل على القتل بالمحدد في وجوب القصاص ، فهذا النوع لا بد فيه من التعرض لبيان العلة وبيان وجودها في الفرع، ولذا يمكن أن يحصل الاختلاف في العمل بهذا القياس فيأخذ به بعض العلماء ويتركه آخرون .

ثانياً : ما لا يجري فيه القياس :

مع اتفاق عامة الفقهاء على الأخذ بمبدأ القياس واعتباره دليلاً تثبت به الأحكام ، إلا أنهم اختلفوا في إجراء القياس في بعض المسائل في أبواب الفقه أو غيره من مسائل الدين ، ولعلي أذكر هنا تلك المسائل وتطبيقاتها، من غير إغراق في الأقوال والأدلة والترجيحات؛ لأن محل ذلك غير هذا البحث :

1- القياس في التوحيد والعقائد([36]):

اتفق علماء الإسلام من أهل السنة والجماعة على أن القياس لا يجري في التوحيد إن أدى إلى البدعة والإلحاد، وتشبيه الخالق بالمخلوق، وتعطيل أسماء الله وصفاته وأفعاله.

وقد تقدم النقل عن ابن عبد البر في قوله : « لا خلاف بين فقهاء الأمصار وسائر أهل السنة – وهم أهل الفقه والحديث – في نفي القياس في التوحيد وإثباته في الأحكام، إلا داود بن علي بن خلف الأصبهاني ثم البغدادي، ومن قال بقوله فإنهم نفوا القياس في التوحيد والأحكام جميعًا.....»([37]).

وعد ابن القيم([38]) من أنواع الرأي المذموم باتفاق سلف الأمة الرأي المتضمن تعطيل أسماء الرب وصفاته وأفعاله بالمقاييس الباطلة التي وضعها أهل البدع والضلال.

2 - ما لا يعقل معناه من الأحكام ( التعبديات ) :

الأحكام التعبدية لا يقاس عليها ; لأن القياس فرع معرفة العلة , والفرض : أن التعبدي لم تعرف علته , فيمتنع القياس عليه , ولا يتعدى حكمه موضعه , سواء أكان مستثنى من قاعدة عامة ولا يعقل معنى الاستثناء , كتخصيص النبي صلى الله عليه وسلم بنكاح تسع نسوة, وتخصيص أبي بردة بالتضحية بعناق , أم لم يكن كذلك, بل كان حكما مبتدأ , كتقدير أعداد الركعات, ووجوب شهر رمضان , ومقادير الحدود والكفارات وأجناسها- التي لم يعقل لها معنى - , وجميع التحكمات المبتدأة التي لا ينقدح فيها معنى , فلا يقاس عليها غيرها([39]) .

3 -  القياس في الحدود والكفارات والتقديرات ([40]).

اختلف أهل العلم في جريان القياس في هذه الأبواب على قولين في الجملة :

الأول :المنع من إجراء القياس فيها ، وهو قول الحنفية، واحتجوا : بأن الحدود والكفارات والتقديرات مشتملة على تقديرات لا تعقل ، كعدد المائة في الزنا، والثمانين في القذف، فإن العقل لا يدرك الحكمة في اعتبار خصوص هذا العدد، والقياس فرع تعقل المعنى في حكمة الأصل وما كان يعقل منها كقطع يد السارق لكونها قد جنت بالسرقة فقطعت فإن الشبهة في القياس لاحتماله الخطأ توجب المنع من إثباته بالقياس وهكذا اختلاف تقديرات الكفارات فإنه لا يعقل كما لا تعقل أعداد الركعات .

والثاني :الجواز ، وهو قول أكثر الفقهاء ، بحجة : أن أدلة القياس دالة على جريانه في الأحكام الشرعية مطلقًا من غير فصل بين باب وباب ، ويخص المسألة ما جاء عن الصحابة حين اجتهدوا في حد شارب الخمر، فقال علي رضي الله عنه : " أراه ثمانين، لأنه إذا شرب هذى وإذا هذى افترى وحد المفتري ثمانون" ، وهذا قياس في الحدود ، ثم لم ينكر عليه فكان إجماعاً .

هذا وقد بيّن الإمام الشافعي مناقضة الحنفية لأصلهم هذا في هذا الباب ، وأنهم استعملوا القياس فيه، ومما قاله في ذلك : " أما الحدود فقد كثرت أقيستهم فيها حتى عدوها إلى الاستحسان فأوجبوا الرجم بشهود الزوايا بالاستحسان مع مخالفته للعقل وأما الكفارات فقاسوا الإفطار بالأكل على الإفطار بالوقاع، وقتل الصيد ناسيا على قتله عامداً .....

وأما المقدرات فقد قاس الحنفية فيها حتى ذهبوا إلى تقديراتهم في الدلو والبئر يعني أنهم فرقوا في سقوط الدواب إذا ماتت في الآبار فقالوا في الدجاجة ينزح كذا وكذا وذكروا دلاء معينة وفي الفأرة أقل من ذلك وليس هذا التقدير عن نص ولا إجماع فيكون قياسا " ([41]).

وهذه بعض التطبيقات الفقهية على هذا الخلاف السابق ([42]) :

1 -   الخلاف في إيجاب قطع النباش قياسا على السارق بجامع أخذ مال الغير خفية .

2 – لا يقطع من قطاع الطريق إلا من أخذ منهم ربع دينار فصاعدا , قياسا على السنة في السارق .

 3- إيجاب الكفارة على قاتل النفس عمدا بالقياس على المخطىء .

4 - القياس في الرخص ([43]).

اختلف أهل العلم في جريان القياس في الرخص على قولين :

الأول :المنع ، وهو مذهب الحنفية ، بحجة : أن الرخص منح من الله تعالى، فلا يتعدى بها عن مواردها.

الثاني :الجواز وهو قول الجمهور ، لأن الرخص وإن كانت منحاً من الله تعالى ، فإن كلما تتقلب فيه العباد من المنافع فهي منح من الله تعالى ، ولا يختص هذا بالرخص بل يعمم الشرائع بأسرها، فكان ينبغي أن لا يجري القياس في شيء من أحكامها .

وهذه بعض التطبيقات الفقهية على هذا الخلاف السابق ([44]) :

1 - جواز التداوي بغير أبوال الإبل من النجاسات، فقيل بالجواز ، ما عدا الخمر الصرف، وقيل بالمنع على أن الأمر بشرب تلك الأبوال رخصة لأجل التداوي .

2 - إذا صلى صلاة في شدة الخوف، فمشى في أثنائها، أو استدبر القبلة للحاجة إليها لم تبطل صلاته؛ لورود النص بذلك،  فلو ضرب ضربات متوالية أو ركب وحصل من ركوبه فعل كثير، فقيل : تبطل؛ لأن النص ورد في هذين، فلا يقاس عليهما غيرهما، لأن الأصل في العمل الكثير هو البطلان، وقيل : بل لا تبطل ، قياساً على ما ورد .

 3 - ومنها قياس سائر الأعذار على المرض في جواز اشتراطه في الإحرام بالحج لأجل التحلل ، فاختلف في باقي الأعذار كنفاد النفقة وموت البعير وضلال الطريق .

 4 - ومنها جواز صوم أيام التشريق للمتمتع فهل يتعدى إلى كل صوم له سبب أم لا لأن الرخصة وردت في المتمتع خاصة ، فيه خلاف .

5- القياس في اللغات  ([45]):

اتفق الفقهاء وأهل العربية على امتناع جريان القياس في أسماء الأعلام، لأنها غير معقولة المعاني، ولا هي دائرة بدوران وصف في محالها، والقياس فروعهما فهي كالحكم تعبدي لا يعقل معناه .

واختلفوا في الأسماء الموضوعة للمعاني المخصوصة الدائرة مع الصفات الموجودة فيها وجودا وعدما ، كما إذا ثبتت تسمية محل باسم لمعنى مشترك بينه وبين غيره ، فهل يسمى ذلك الغير بذلك الاسم لوجود المعنى المقتضي للتسمية ؟ .

ومن الأمثلة والتطبيقات الفقهية على هذا الخلاف :

1       - الخمر ، فإنه اسم للمسكر المعتصر من العنب، وهذا الاسم دائر مع الإسكار وجودا وعدما، فهل يقاس عليه النبيذ في كونه مسمى بذلك الوصف لمشاركته في وصف الإسكار .

2       إطلاق اسم السارق النباش بواسطة مشاركته للسارق من الإخفاء في أخذا المال على سبيل الخفية .

3       -  إطلاق اسم الزاني على اللائط لمشاركته بإيلاج فرج في فرج .

وفائدة الخلاف في هذه المسائل : هو الخلاف في صحة الاستدلال بالنصوص الواردة في الخمر والسرقة والزنى على شارب النبيذ والنباش واللائط ، أو عدم صحتها .

6 - القياس في الأسباب ([46]):

اختلفوا في ذلك فذهب كثير من أهل الأصول إلى أنه لا يجري فيها، وذهب جماعة من أصحاب الشافعي إلى أنه يجري فيها .

ومعنى القياس في الأسباب أن يجعل الشارع وصفاً سبباً لحكم فيقاس عليه وصف آخر فيحكم بكونه سبباً .

ومن الأمثلة على ذلك :

1 -  قياس اللواط على الزنا في إيجاب الحد بجامع كونه إيلاج فرج في فرج محرم شرعا مشتهى طبعا ، فجعل اللواط سببا وإن كان لا يسمى زنا .

2 -  قياس المثقل على المحدد في كونه سبباً للقصاص.

 

 

 

 

 

 

المبحث الثاني : الاستحسان:

وفيه مطلبان :

المطلب الأول : المقصود بالاستحسان ، وموقف العلماء منه .

المطلب الثاني : الاستدلال بالاستحسان، وتطبيقاته عند الفقهاء .

المطلب الأول : المقصود بالاستحسان ، وموقف العلماء منه .

أولاً : المقصود بالاستحسان :

الاستحسان لغةً: عدُّ الشَّيءِ حسنًا ، والحسن ضد القبح ([47]) .

وأمَّا اصطلاحًا: فقد اختلف العلماء في المراد بمصطلح الاستحسان ، وذكروا له أكثر من ستة معانٍ ، بعضها صحيح ، وبعضها باطل ([48]) .

ويعرف كثير من الأصوليين الاستحسان بأنه : العدول بحكم المسألة عن نظائرها، لدليل شرعي خاص([49]).

وقيل : الاستحسان: ترجيح دليل على دليل، أو هو العمل بالدليل الأقوى أو الأحسن([50]).

قال ابن تيمية: "ولفظ الاستحسان يؤيد هذا؛ فإنه اختيار الأحسن"([51]).

وبهذا يتبين أنه ليس المقصود من الاستحسان ما يذكره بعضهم من أنه : "ما يستحسنه المجتهد بعقله"([52])؛ يعني: بهواه وعقله المجرد دون استناد إلى شيء من أدلة الشريعة المعتبرة.

ثانياً : موقف العلماء منه :

ذكر جماعة من علماء الأصول أن لفظة ( الاستحسان ) قد جرت لعدد من الأئمة في كتبهم فجرت لإياس بن معاوية , ولمالك بن أنس في كتابه , وللشافعي في مواضع ([53]) .

وقد سبق أن مصطلح الاستحسان يراد به عند العلماء عدة معان فهو بلا شك من الألفاظ المجملة، فلا يصح لذلك إطلاق الحكم عليه بالصحة أو البطلان هكذا .

 وعلى هذا أيضاً يجب القول بأن من أثبت الاستحسان من أهل العلم وأخذ به كأبي حنيفة ومن تبعه إنما أراد به المعاني الصحيحة قطعًا، وذلك صيانة لمقام الأئمة والفقهاء والمفتين .

لذلك قال الزركشي في البحر المحيط : " واعلم أنه إذا حرر المراد بالاستحسان زال التشنيع, وأبو حنيفة بريء إلى الله من إثبات حكم بلا حجة " ([54]) .

أما من أنكر الاستحسان من أهل العلم كالشافعي ومن تبعه فإنما أراد المعنى الباطل له قطعًا، ولهذا قال الشافعي : " القول بالاستحسان باطل , فإنه لا ينبئ عن انتحال مذهب بحجة شرعية, وما اقتضته الحجة الشرعية هو الدين سواء استحسنه نفسه أم لا "، وقال أيضاً : "من استحسن فقد شرع"، وقال أيضاً في الرسالة : " الاستحسان تلذذ , ولو جاز لأحد الاستحسان في الدين جاز ذلك لأهل العقول من غير أهل العلم , ولجاز أن يشرع في الدين في كل باب , وأن يخرج كل واحد لنفسه شرعاً "  ([55]).

وبهذا يتبين أن الشافعي إنما ينكر الاستحسان الذي لا يعتمد على شيء من الأدلة الشرعية، وفي ذلك يقول الشافعي: " لا أعلم أحدًا من أهل العلم رخص لأحد من أهل العقول والآداب في أن يفتي ولا يحكم برأي نفسه إذا لم يكن عالمًا بالذي تدور عليه أمور القياس من الكتاب والسنة والإجماع والعقل"([56]).

ومن أجل ذلك يقول ابن القيم : "الشافعي يبالغ في رد الاستحسان، وقد قال به في مسائل: أحدها: أنه استحسن في المتعة في حق الغني أن يكون خادمًا، وفي حق الفقير مقنعة، وفي حق المتوسط ثلاثين درهمًا"([57]).

وبذلك يتبين أن الشافعي إنما أنكر الاستحسان بمعنى القول بدون علم بالهوى والتشهي، أما إن كان الاستحسان بمعنىيوافق الكتاب والسنة، فإن الشافعي نفسه يقول به على النحو الذي يذكره ابن القيم.

لذلك فإن العمل بالاستحسان بالمعنى الصحيح أمر متفق على صحته، إذ لا نزاع في وجوب العمل بالدليل الراجح، وإنما الخلاف في تسمية ذلك استحسانًا.

فالتحقيق أن الخلاف في حجية الاستحسان لفظي; لأن الاستحسان إن كان هو القول بما يستحسنه الإنسان ويشتهيه من غير دليل فهو باطل , ولا يقول به أحد , وإن كان هو العدول عن دليل إلى دليل أقوى منه, فهذا مما لا ينكره أحد ([58]).

المطلب الثاني : الاستدلال بالاستحسان وتطبيقاته عند الفقهاء .

لاستكمال القراءة يرجى تحميل ملفات الكتاب

word أو pdf

إظهار التعليقات
التعليقات
أضف تعليق
الإســـــــــــــــــــم :
البريد الالكترونى :
التعليــــــــــــــــق :
اكتب كود التحقق
4581
تعليقات فيس بوك

مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء