\تولية المرأة القضاء\مؤلفات

تولية المرأة القضاء رؤية شرعية

suhaiban.com/index-ar-show-37.html

تولية المرأة القضاء رؤية شرعية
مشاهدات : 1993

الخميس 20 محرم 1436 هـ - الخميس 13 نوفمبر 2014 م

المقدمة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلق الله أجمعين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين، وبعد:

القضاء هو الوسيلة لتحقيق العدل ورفع الظلم، وهو الميزان الذي يقاس به استقرار الحياة وسلامتها، لذلك اتفقت البشرية في مختلف العصور على أهمية تحقيق العدل من خلال القضاء، "ولذلك تولاه النبي صلى الله عليه وسلم والأنبياء قبله، فكانوا يحكمون لأممهم" ([1])، وجاء عنه صلوات الله وسلامه عليه الترغيب في العدل في القضاء، وعظم أجر العادل من القضاة، في قوله صلى الله عليه وسلم : «إن المقسطين عند الله على منابر من نور، عن يمين الرحمن عز وجل، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا» ([2]).

ولقد عقد فقهاء المسلمين في كتبهم أبواباً كثيرة من أجل القضاء، عالجوا فيها كثيراً من مسائله، وكان مما تعرضوا له ما يخص صفات القاضي وآدابه، وشروط تقليده، فاتفقوا على بعض تلك الشروط، واختلفوا في بعضها، وكان شرط الذكورة في القاضي محل خلاف بينهم، فاختلفوا هل يصح تولية المرأة القضاء ؟ 

ولئن كان هذا الأمر في بعض البلدان الإسلامية شبه محسوم بنص الدستور والنظام، ووجدت المرأة في السلك القضائي في مختلف مراتبه في بعض تلك البلدان، فإنه لا زالت بلدان أخرى منها المملكة العربية السعودية لا تقبل بتولية المرأة القضاء، ولا تسند إليها شيئاً من مسؤوليات القاضي، ومع أن هذا الأمر شبه  محسوم في نظام تلك الدول إلا أنه قد يطرأ عليها ما يغيّره، خاصة في ظل التصعيد الإعلامي، والجدل الكبير في موضوعات كثيرة تخص قضايا المرأة.

وفي نظري أن كثيراً من المفكرين والكتاب بل ومن العلماء عند دراسة مثل تلك الموضوعات ومعالجتها يقفون في أحد طرفين، طرف يرى أن مجرد طرح موضوعات المرأة والمساس بها لا ينبغي، فضلاً عن دراستها دراسة شرعية أو اجتماعية أو اقتصادية، ولذلك فلا غرابة أن تجد بعض أهل الغيرة من إخواننا في قضية البحث مثلاً  ينسب القول بجواز تولي المرأة للقضاء لبعض أعداء الملّة من المستغربين والمستشرقين ومن نَحَا نَحْوَهم ولَفّ لفّهم، وأن كل من كتب أو قال بقول في هذه القضية لا يوافق مذهبه فهو في نظره يخوض ويهرف فيما لا يعرف، ويعني هذا - في الحقيقة - أن هذه القضية عند بعض الغيورين لا ينبغي أن تطرح أو تدرس، فهو أمر مفروغ منه، لا طائل من بحثه، والنظر في دلالة النصوص الشرعية عليه.

أما الطرف الآخر فهم أولئك الذين لا يريدون لقضايا المرأة وموضوعاتها أن تصبغ بأي صبغة شرعية، ويريدون لها فعلاً أن تطرح بعيداً عن أقوال العلماء والفقهاء المجتهدين، فأقوال الفقهاء ونظراتهم لم تعد صالحة لهذا العصر، ولهذا لا ينبغي لهم أن يتكلموا أو يكتبوا، في حين أن غيرهم من المثقفين وأشباه المتعلمين هم من يقرر مصير الأمة في كثير من القضايا المعاصرة التي منها قضايا المرأة.

إن هذه الحال التي تعيشها مجتمعات إسلامية كثيرة حال مزرية، اختفى فيها أو في أكثرها نور الحق وصوته، واختلطت على كثير من أبناء المسلمين تلك القضايا والموضوعات المستجدة، وأضحت مثار جدل مستمر في كثير من المنتديات على كافة الأصعدة.

وإنني آمل أن تكون هذه الدراسة دراسة رزينة هادئة تقف في قضية مفصلية خطيرة من قضايا الأمة الإسلامية موقفاً لا يدفعه أي توجه أو اتجاه إلا نصرة الحق، بسلاح الدليل والبرهان من وحي القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، بفهم أهل العلم من سلف الأمة السابقين، وعلمائها المعاصرين.

 ولقد رأيت أن تكون دراسة هذه المسألة وفق الخطة التالية:

المبحث الأول: تحرير أقوال الفقهاء في اشتراط الذكورة للقضاء. تولية المرأة للقضاء

المبحث الثاني: دلالة النصوص في حكم تولية المرأة للقضاء.

المبحث الثالث:  الأدلة العقلية ومراعاة المصالح.

المبحث الرابع: الموازنة بين الأقوال والترجيح.

اللهم أرنا الحق حقاً، وارزقنا إتباعه، وأرنا الباطل باطلاً، وارزقنا اجتنابه.

ولا تجعل الحق ملتبساً علينا فنضل.

 

المبحث الأول: تحرير أقوال الفقهاء في تولية المرأة للقضاء.

وفي هذا المبحث مطلبان:

المطلب الأول: مدى صحة نقل الاتفاق أو الإجماع في المسألة.

المطلب الثاني: الأقوال في المسألة مع تحرير نسبتها.

المطلب الأول: مدى صحة نقل الاتفاق أو الإجماع في المسألة.

نقل إجماع العلماء على عدم جواز تولي المرأة للقضاء جماعة من العلماء منهم:

1 – الماوردي في الأحكام السلطانية، فقد قال بعد أن نقل قول أبي حنيفة في صلاحيتها للقضاء فيما تصح فيه شهادتها:" وشذ ابن جرير الطبري فجوز قضاءها في جميع الأحكام، ولا اعتبار بقول يرده الإجماع" ([3]).

2 –  البغوي في شرح السنة، حيث قال:" اتفقوا على أن المرأة لا تصلح أن تكون إماماً ولا قاضياً، لأن الإمام يحتاج إلى الخروج لإقامة أمر الجهاد، والقيام بأمور المسلمين، والقاضي يحتاج إلى البروز لفصل الخصومات، والمرأة عورة لا تصلح للبروز، وتعجز لضعفها عند القيام بأكثر الأمور، ولأن المرأة ناقصة، والإمامة والقضاء من كمال الولايات، فلا يصلح لها إلا الكامل من الرجال" ([4]).

لكن هذا النقل للإجماع محل نظر لا يخفى، إذ الخلاف بين الفقهاء قائم في هذه المسألة- كما سيأتي-، ولعل عذر هؤلاء الأئمة في نقلهم الإجماع عدم اطلاعهم على خلاف من خالف في المسألة، أو أن يكون مرادهم اتفاق الأكثر، كما ذكر ابن حجر في الفتح، حيث قال :" واتفقوا على اشتراط الذكورية في القاضي إلا عن الحنفية، واستثنوا الحدود، وأطلق ابن جرير" ([5]).

 أو أن يكون المراد من نقل هذا الاتفاق أو الإجماع هو الإجماع العملي على عدم توليتها منصب القضاء من زمن النبي صلى الله عليه وسلم إلى زمانهم، ولذلك قال القرافي بعد أن ساق الخلاف في حكم تولية المرأة القضاء:" ولذلك لم يسمع في عصر من الأعصار أن امرأة وليت القضاء فكان ذلك إجماعاً؛ لأنه غير سبيل المؤمنين"  ([6]).

وقال القاضي أبو الوليد الباجي بعد أن ذكر خلاف العلماء:" ويكفي في ذلك عندي عمل المسلمين من عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - لا نعلم أنه قُدم لذلك في عصر من الأعصار، ولا بلد من البلاد امرأة، كما لم يقدم للإمامة امرأة " ([7]).

وقال ابن قدامة:"لم يولّ النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا أحد من خلفائه، ولا من بعدهم، امرأة قضاء ولا ولاية بلد، فيما بلغنا، ولو جاز ذلك لم يخل منه جميع الزمان غالباً " ([8]).

المطلب الثاني: الأقوال في المسألة مع تحرير نسبتها:

في حكم تقليد المرأة منصب القضاء ثلاثة أقوال، وسوف أعرضها هنا بشيء من التفصيل في نسبتها إلى من قال بها، ونقل النصوص الدالة على تلك النسبة، لأنه قد حصل في نسبة تلك الأقوال قدح وتشكيك، فأحببت أن يرى القارئ من نصوص الفقهاء تلك الأقوال، لعل ذلك يزيل ما أثير حول نسبة تلك الأقوال إلى قائليها، والأقوال هي كالتالي:

القول الأول:المنع من تولي المرأة للقضاء وتحريم ذلك عليها، فإن تولت القضاء فهي آثمة، ومن ولى المرأة القضاء آثم -أيضاً-.

وهذا القول منسوب لأكثر فقهاء المسلمين من أصحاب المذاهب، فهو قول فقهاء المالكية إلا القاسم([9])وهو قول الشافعية  ([10]) والحنابلة ([11]).

ولا حاجة لنقل نصوص فقهاء المذاهب وعباراتهم هنا؛ لعدم وجود أي قدح في نسبة هذا القول إلى هذه المذاهب.

القول الثاني:جواز تقليد المرأة منصب القضاء في كل شيء إلا في الحدود والقصاص، وهذا هو مذهب الحنفية  ([12])، ونسب لابن القاسم من المالكية.

وسوف أنقل هنا جملة من نصوص فقهاء المذهب الحنفي، وهي تبيّن بجلاء صحة هذه النسبة للمذهب، فمن في ذلك:

1 – قول المرغيناني في الهداية:"ويجوز قضاء المرأة في كل شيء إلا في الحدود والقصاص؛ اعتباراً بشهادتها" ([13]).

2 – قول الكاساني في بدائع الصنائع:"وأما الذكورة فليست من شرط جواز التقليد- يعني تقليد منصب القضاء-  في الجملة؛ لأن المرأة من أهل الشهادات في الجملة، إلا أنها لا تقضي بالحدود والقصاص؛ لأنه لا شهادة لها في ذلك، وأهلية القضاء تدور مع أهلية الشهادة" ([14]).

3 –  وقال الكمال ابن الهمام:"وأما الذكورة فليست بشرط إلا للقضاء في الحدود والدماء، فتقضي المرأة في كل شيء إلا فيهما" ([15]).

وبهذا يظهر أن حكم تولي القضاء معتبر عند علماء الحنفية بحكم الشهادة، لأن كل واحد منهما من باب الولاية، فكل من كان أهلاً للشهادة يكون أهلاً للقضاء، والمرأة أهل للشهادة في غير الحدود والقصاص، فهي أهل للقضاء في غيرهما ([16]).

قالوا : "والجهة الجامعة بين القضاء والشهادة كون كل واحد منهما تنفيذ القول على الغير" ([17]).

وكما يلاحظ من نصوص بعض فقهاء الحنفية النص على جواز تقليد المرأة منصب القضاء، فقد نص آخرون منهم على تأثيم المولي للمرأة للقضاء، مع صحة قضائها، ونفاذ الحكم المقضي به لو قضت.

فمن ذلك:

1 –  ما جاء في فتح القدير للكمال ابن الهمام:" والكلام فيما لو وليت، وأثم المقلد بذلك، أو حكمها خصمان فقضت قضاء موافقاً لدين الله أكان ينفذ أم لا؟ لم ينتهض الدليل على نفيه بعد موافقته ما أنزل الله لا أن يثبت شرعاً سلب أهليتها، وليس في الشرع سوى نقصان عقلها، ومعلوم أنه لم يصل إلى حد سلب ولايتها بالكلية؛ ألا ترى أنها تصلح شاهدة وناظرة في الأوقاف ووصية على اليتامى، وذلك النقصان بالنسبة والإضافة، ثم هو منسوب إلى الجنس فجاز في الفرد خلافه؛ ألا ترى إلى تصريحهم بصدق قولنا: الرجل خير من المرأة مع جواز كون بعض أفراد النساء خيراً من بعض أفراد الرجال، ولذلك النقص الغريزي نسب - صلى الله عليه وسلم - لمن يوليهن عدم الفلاح، فكان الحديث متعرضاً للمولين ولهن بنقص الحال، وهذا حق، لكن الكلام فيما لو وليت فقضت بالحق لماذا يبطل ذلك الحق" ([18]).

2 - وجاء في مجمع الأنهر:" ويجوز قضاء المرأة في جميع الحقوق؛ لكونها من أهل الشهادة، لكن أثم المولي لها؛ للحديث «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة» في غير حد وقود؛ إذ لا يجري فيها شهادتها، وكذا قضاؤها في ظاهر الرواية، فلو قضت في حد وقود فرفع إلى قاض آخر فأمضاه ليس لغيره أن يبطله كما في الخلاصة" ([19]).

3- وقال ابن نجيم في البحر الرائق:"وتقضي المرأة في غير حد وقود؛ لأنها أهل للشهادة في غيرهما، فكانت أهلاً للقضاء، لكن يأثم المولي لها للحديث «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة» رواه البخاري، ... وأما سلطنتها فصحيحة، وقد ولي مصر امرأة تسمى شجرة الدر جارية الملك الصالح بن أيوب، وفي الخلاصة لو قضت في الحدود والقصاص فرفع إلى قاض آخر فأمضاه ليس لغيره أن يبطله" ([20]).

وهذه النصوص الأخيرة تبيّن أن من فقهاء الحنفية من يرى تحريم تولية المرأة القضاء، مع صحة قضائها ونفاذه، وبعضهم يعمم التحريم في قضائها في كل شيء، وبعضهم يخصه بما لا يصح قضاؤها فيه من الحدود والقصاص، ولعل هذه النصوص وما شابهها في كتب الحنفية هي ما دفعت بعض المعاصرين إلى أن ينكر نسبة القول بجواز تولية المرأة للقضاء إلى فقهاء الحنفية ([21]).

لكن الحقيقة أن أكثر فقهاء المذهب الحنفي قد نصوا على جواز تقليد المرأة القضاء فيما يصح أن تشهد فيه، أي في غير الحدود والقصاص، وأن قضاءها حينئذ صحيح نافذ، ومن أوضح العبارات في ذلك، والتي ليس فيها أدنى إيهام، قول الكاساني:"وأما الذكورة فليست من شرط جواز التقليد- يعني تقليد منصب القضاء-  في الجملة؛ لأن المرأة من أهل الشهادات في الجملة، إلا أنها لا تقضي بالحدود والقصاص؛ لأنه لا شهادة لها في ذلك، وأهلية القضاء تدور مع أهلية الشهادة" ([22]).

كما أن عامة من ذكر مذاهب الفقهاء في هذه المسألة من العلماء الأجلاء نسبوا القول بجواز قضاء المرأة إلى المذهب الحنفي، أو إلى أبي حنيفة، ومن أولئك الأعلام على سبيل المثال، القاضي عبد الوهاب ([23])وابن رشد([24])، والباجي ([25])،  وابن حزم ([26])، وابن قدامة ([27])، والغزالي ([28])، والماوردي ([29])والعمراني ([30]) وابن حجر([31])، وغير هؤلاء من المتقدمين والمتأخرين كثير ([32])، مما يدل بدون أدنى شك على صحة نسبة هذا القول إلى المذهب الحنفي.

وبهذا يتبين - أيضاً – عدم صحة منهج التشكيك الذي يسلكه بعض المعاصرين فيقدحون في نسبة القول بجواز قضاء المرأة في غير الحدود والقصاص إلى المذهب الحنفي، ويتأولون ذلك بتأويلات بعيدة، تردها كتب المذهب نفسه، وعبارات فقهائه ([33]).

وأما نسبة هذا القول إلى ابن القاسم من المالكية فهو ما ذكره بعض فقهاء المذهب المالكي، ورجحه الحطاب في  مواهب الجليل، فقال:" قال في التوضيح: وروى ابن أبي مريم عن ابن القاسم جواز ولاية المرأة، قال ابن عرفة، قال ابن زرقون: أظنه فيما تجوز فيه شهادتها، قال ابن عبد السلام: لا حاجة لهذا التأويل لاحتمال أن يكون ابن القاسم قال كقول الحسن، والطبري بإجازة ولايتها القضاء مطلقاً " ثم قال الحطاب: "قلت: الأظهر قول ابن زرقون؛ لأن ابن عبد السلام، قال في الرد على من شذ من المتكلمين وقال الفسق لا ينافي القضاء ما نصه: وهذا ضعيف جداً؛ لأن العدالة شرط في قبول الشهادة والقضاء أعظم حرمة منها، (قلت) فجعل ما هو مناف للشهادة مناف للقضاء فكما أن النكاح والطلاق والعتق والحدود لا تقبل فيها شهادتها فكذلك لا يصح فيها قضاؤها" ([34]).

وقد نقل هذا القول ابن حجر في الفتح على أنه رواية عن مالك، وكذلك فعل المباركفوري في تحفة الأحوذي ([35])، والظاهر أن هذا النقل وهمٌ منهما؛ إذ لم يرد في كتب المالكية نقل ذلك رواية عن مالك، بل نقل قولاً عن ابن القاسم فقط.

القول الثالث:جواز قضاء المرأة على الإطلاق في كل شيء.

 وهذا القول منسوب إلى الإمام الطبري، والحسن البصري، كما أنه منسوب إلى محمد بن الحسن من الحنفية، وابن القاسم من المالكية، وهو قول ابن حزم من الظاهرية ([36]).

أما نسبة هذا القول إلى محمد بن الحسن فلم أجده فيما بين يدي من كتبه، أو كتب الحنفية، وإنما نقله عنه أبو الوليد الباجي ([37])، وأبو الوليد ابن رشد الجد ([38])، من علماء المالكية.

وأما نسبة هذا القول إلى الإمام الطبري فهي مشهورة، فقد نسبه إليه القاضي عبدالوهاب ([39])  وابن رشد الجد([40])، وابن رشد الحفيد([41])، والقاضي الباجي ([42])، وابن قدامة ([43])، والعمراني([44]) ، والماوردي ([45])وابن حجر([46])، وجماعة من فقهاء المالكية ([47])  والشافعية  ([48])والحنابلة .

ومن نصوصهم في ذلك:

1-                    قول القاضي عبدالوهاب:" وذهب ابن جرير الطبري إلى أن المرأة يجوز أن تكون حاكماً على الإطلاق، في كل ما يجوز أن يحكم فيه الرجل" ([49]).

2-                    قول الباجي في المنتقى شرح الموطإ:" وقال محمد بن الحسن، ومحمد بن جرير الطبري يجوز أن تكون المرأة قاضية على كل حال" ([50]).

3-                    وقال العمراني في البيان:"وقال ابن جرير: يجوز أن تكون المرأة قاضية في جميع الأحكام، كما يجوز أن تكون مفتية" ([51]).

4-                    وقال الماوردي في الحاوي الكبير:" أما المرأة فلا يجوز تقليدها، وجوزه ابن جرير الطبري،كالرجل" ([52]).

5-                    وقال ابن رشد الجد في المقدمات الممهدات:" وقال محمد بن الحسن، ومحمد بن جرير الطبري: يجوز أن تكون المرأة قاضية على كل حال" ([53]).

6-                    وقال ابن رشد الحفيد في بداية المجتهد:" قال الطبري: يجوز أن تكون المرأة حاكما على الإطلاق في كل شيء" ([54]).

7-                    وكذا نقله ابن جزي الكلبي في القوانين الفقهية، فقال:"وأجاز أبو حنيفة قضاء المرأة في الأموال وأجازه الطبري مطلقاً" ([55]).

والحقيقة أنني لم أجد بعد طول بحث فيما بين يدي من كتب الإمام ابن جرير الطبري قولاً له في هذه المسألة، لكنّ تواتر نقل هذا القول عنه يوحي بصحته، وإن كان بعض من نقل قوله ينقله بغير صيغة الجزم، كقول ابن قدامة:" وحُكي عن ابن جرير أنه لا تشترط الذكورية؛ لأن المرأة يجوز أن تكون مفتية، فيجوز أن تكون قاضية"  ([56]).

بل أنكر هذه النسبة أبو بكر بن العربي في تفسيره أحكام القرآن فقال :" ونقل عن محمد بن جرير الطبري إمام الدين أنه يجوز أن تكون المرأة قاضية؛ ولم يصح ذلك عنه؛ ولعله كما نقل عن أبي حنيفة أنها إنما تقضي فيما تشهد فيه، وليس بأن تكون قاضية على الإطلاق، ولا بأن يكتب لها منشور بأن فلانة مقدمة على الحكم، إلا في الدماء والنكاح، وإنما ذلك كسبيل التحكيم أو الاستبانة في القضية الواحدة، بدليل قوله - صلى الله عليه وسلم -: «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة» . وهذا هو الظن بأبي حنيفة وابن جرير" ([57]).

هذا هو نص كلام ابن العربي، فهل استند في إنكار هذه النسبة للطبري إلى مستند واضح أو هو ظن غالب بحسب ما توصل إليه؟ الذي يظهر أن إنكاره لهذه النسبة لم يكن عن دليل أو مستند، لأنه قال في النص السابق:"ولعله نقل عنه كما نقل عن أبي حنيفة"، وقال :" وهذا هو الظن بأبي حنيفة وابن جرير"، مما يدل على أن ابن العربي انطلق من عدم تصحيح نسبة هذا القول إلى ظن غالب نتج من استبعاد أن يصدر مثل هذا القول من الإمام الطبري؛ لأنه عنده غير مقبول.

والغريب أن ابن العربي بعد هذا النقل مباشرة ذكر المناظرة التي جرت بين القاضي أبو بكر بن الطيب المالكي الأشعري، مع أبي الفرج بن طرار شيخ الشافعية ببغداد في مجلس السلطان الأعظم عضد الدولة، قال ابن العربي: "فماحل ونصر ابن طرار لما ينسب إلى ابن جرير، على عادة القوم التجادل على المذاهب، وإن لم يقولوا بها؛ استخراجاً للأدلة، وتمرنا في الاستنباط للمعاني " ([58])مما يدل على أنه مستقر عند القوم تلك النسبة.

وكذلك فعل كثير من الفقهاء، ينسبون هذا القول لابن جرير الطبري، ولا يوافقونه، بل بعضهم يصفه بالشذوذ، ومخالفة الإجماع، كما قال الماوردي:" وشذ ابن جرير الطبري فجوز قضاءها في جميع الأحكام، ولا اعتبار بقول يرده الإجماع" ([59]).

ولهذا فالذي يترجح عندي صحة نسبة القول بجواز تولي المرأة القضاء لابن جرير الطبري، وذلك لكثرة من نقل هذا القول عنه، واشتهاره، ولأن من أنكر نسبته إليه، لم يبنِ ذلك على مستند علمي مقبول، بل هو ظن، والمثبت مقدم على النافي.

وأما نسبة هذا القول إلى الحسن البصري فقد ذكرها بعض فقهاء المالكية ([60]).

وأما ما نسب عن ابن القاسم من المالكية من القول بجواز ولا ية المرأة القضاء مطلقاً فهو ما ذكره بعض فقهاء المذهب المالكي، يوضح ذلك ما جاء في  مواهب الجليل:" قال في التوضيح: وروى ابن أبي مريم عن ابن القاسم جواز ولاية المرأة، قال ابن عرفة، قال ابن زرقون: أظنه فيما تجوز فيه شهادتها، قال ابن عبد السلام: لا حاجة لهذا التأويل لاحتمال أن يكون ابن القاسم قال كقول الحسن، والطبري بإجازة ولايتها القضاء مطلقاً" ([61]).

ونقل ابن حجر في الفتح عن ابن التين القول بالجواز مطلقاً عن بعض المالكية، كما نقل عن ابن جرير ما يوافق مذهب أبي حنيفة فقال:" وخالف ابن جرير الطبري، فقال: يجوز أن تقضي فيما تقبل شهادتها فيه، وأطلق بعض المالكية الجواز" ([62])، والذي يظهر أن هذه النسبة غير دقيقة، لأن الأكثر من العلماء قد نقلوا عن ابن جرير الطبري إطلاق القول بجواز قضاء المرأة في كل شيء، وهو ما ذكره ابن حجر في الفتح – أيضاً – في موضع آخر([63]).

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المبحث الثاني: دلالة النصوص في تولية المرأة القضاء.

لم يرد في القرآن الكريم أو السنة النبوية دليل خاص صريح في ولاية المرأة للقضاء نفياً أو إثباتاً، إنما وردت بعض النصوص العامة غير القطعية في دلالتها على حكم هذه المسألة، ومن هنا اختلفت وجهات نظر العلماء في دلالة تلك النصوص وإفادتها الحكم في هذه المسألة، وهذا عرض لأهم تلك الأدلة وأوضحها مما وقفت عليه، وقد جعلتها في مطلبين:

المطلب الأول: الأدلة النصية لمن يرى منع تولية المرأة القضاء.

المطلب الثاني: الأدلة النصية لمن يرى جواز تولية المرأة القضاء.

المطلب الأول: الأدلة النصية لمن يرى منع تولية المرأة القضاء:

استدل القائلون بمنع المرأة من ولاية القضاء بنصوص من الكتاب والسنة، هذه أهمها:

الدليل الأول:استدل الماوردي وغيره من فقهاء الشافعية على منع المرأة من تولي القضاء ([64])بقول الله تعالى: ﭽ ﭑ  ﭒ  ﭓ  ﭔ  ﭕ  ﭖ  ﭗ  ﭘ    ﭙ  ﭚ  ﭛ  ﭜ  ﭝ  ﭞﭟ  ﭼ ([65]).

ووجه الدلالة من الآية:أنها جعلت القوامة في الرجال دون النساء، وإذا كان الرجل قيّماً على المرأة بمعنى أنه رئيسها وكبيرها والحاكم عليها، فكيف تكون المرأة حاكمة على الرجل، هذا ما لا يتناسب والآية الكريمة.

يقول الماوردي بعد أن أورد هذه الآية دليلاً على منع المرأة من تولي القضاء:" يعني: في العقل والرأي، فلم يجز أن يقمن على الرجال" ([66]).

وجاء في تفسير القاسمي: "واستدل بها على أن المرأة لا تجوز أن تلي القضاء كالإمامة العظمى؛ لأنه جعل الرجال قوامين عليهن، فلم يجز أن يقمن على الرجال" ([67]).

ويمكن أن يجاب عن هذا الاستدلال بما يلي:

أولاً:أن المقصود بالقوامة في الآية الكريمة هي قوامة الرجل الذي هو الزوج على المرأة في بيته وشؤونه الأسرية، فالرجل هو قيّم البيت والمسؤول عنه، أما خارج حدود الأسرة فالمرأة قد تكون مسؤولة في أي موقع، وتتولى إدارة أي جهة، ولا يتعارض ذلك مع قوامة الرجل عليها في بيته، يقول شيخ المفسرين الإمام الطبري :" يعني بقوله جل ثناؤه: (الرجال قوّامون على النساء)، الرجال أهل قيام على نسائهم، في تأديبهن والأخذ على أيديهن فيما يجب عليهن لله ولأنفسهم (بما فضّل الله بعضهم على بعض)، يعني: بما فضّل الله به الرجال على أزواجهم: من سَوْقهم إليهنّ مهورهن، وإنفاقهم عليهنّ أموالهم، وكفايتهم إياهن مُؤَنهنّ، وذلك تفضيل الله تبارك وتعالى إياهم عليهنّ، ولذلك صارُوا قوّامًا عليهن، نافذي الأمر عليهن فيما جعل الله إليهم من أمورهن" ([68])،  و يقول الزجاج عند بيان معنى الآية:" الرجُلُ قيِّم على المرأَة فيما يجب لها عليه، فأمَّا غير ذلك فلا" ([69]).

فالآية على هذا لم تتعرض لولاية المرأة على شأن آخر خارج بيتها، بل المقصود –كما ذكر الطبري وغيره- ولاية الأزواج وقوامتهم على زوجاتهم، ومما يدل على ذلك سياق الآية فهي في إصلاح البيوت ورعاية الزوجات وتأديبهن عند الترفع والنشوز، كما في قوله سبحانه في سياق الآية:ﭽ ﭠ   ﭡ  ﭢ  ﭣ  ﭤ  ﭥ  ﭦﭧ  ﭨ  ﭩ   ﭪ  ﭫ  ﭬ  ﭭ  ﭮ     ﭯﭰ  ﭱ  ﭲ  ﭳ  ﭴ  ﭵ  ﭶﭷ   ﭸ    ﭹ  ﭺ            ﭻ  ﭼ ﭼ ([70]).

ثانياً :مما يدل على أن هذا المعنى هو المقصود بالآية، وأنها لم ترد في شأن الولايات أن عامة المفسرين لم يذكروا شيئاً من ذلك عند تفسيرهم لهذه الآية، فقد راجعت أكثر كتب التفسير – التي بين يدي- فلم أجد من ذكر أن هذه الآية فيها دلالة على منع المرأة من تولي القضاء([71]). إنما يذكر بعضهم أن ذلك من أنواع التفضيل في قوله سبحانه: ﭽﭕ  ﭖ  ﭗ  ﭘ    ﭙ  ﭚ ﭼ ([72])،كما قال ابن كثير:" بما فضل الله بعضهم على بعض: أي لأن الرجال أفضل من النساء، والرجل خير من المرأة، ولهذا كانت النبوة مختصة بالرجال، وكذلك الملك الأعظم؛ لقوله صلى الله عليه وسلم «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة» رواه البخاري، من حديث عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه، وكذا منصب القضاء وغير ذلك" ([73]).

 ومن أجمع ما قرأت في معنى الآية ما نقله أبو حيان في تفسيره عند هذه الآية حيث ذكر تفضيل جنس الرجال على جنس النساء، بدلالة قوله تعالى: (بما فضل الله بعضهم على بعض)، قال:"هذا إخبار عن الجنس لم يتعرض فيه إلى اعتبار أفراده، كأنه قيل:هذا الجنس قوام على هذا الجنس، وقال ابن عباس: قوامون مسلطون على تأديب النساء في الحق، ويشهد لهذا القول طاعتهن لهم في طاعة الله، وقوام: صفة مبالغة، ويقال: قيام وقيم، وهو الذي يقوم بالأمر ويحفظه،.... والمعنى: أنهم قوامون عليهن بسبب تفضيل الله الرجال على النساء، هكذا قرروا هذا المعنى، قالوا: وعدل عن الضميرين فلم يأت بما فضل الله عليهن لما في ذكر بعض من الإبهام الذي لا يقتضي عموم الضمير، فرب أنثى فضلت ذكراً، وفي هذا دليل على أن الولاية تستحق بالفضل لا بالتغلب والاستطالة، وذكروا أشياء مما فضل به الرجال على النساء على سبيل التمثيل، فقال الربيع: الجمعة والجماعة، وقال الحسن: النفقة عليهن. وينبو عنه قوله: وبما أنفقوا. وقيل: التصرف والتجارات. وقيل: الغزو، وكمال الدين، والعقل. وقيل: العقل والرأي، وحل الأربع، وملك النكاح، والطلاق، والرجعة، وكمال العبادات، وفضيلة الشهادات، والتعصيب، وزيادة السهم في الميراث، والديات، والصلاحية للنبوة، والخلافة، والإمامة، والخطابة، والجهاد، والرمي، والأذان، والاعتكاف، والحمالة، والقسامة، وانتساب الأولاد، واللحى، وكشف الوجوه، والعمائم التي هي تيجان العرب، والولاية، والتزويج، والاستدعاء إلى الفراش، والكتابة في الغالب، وعدد الزوجات، والوطء بملك اليمين" ([74]).

ولهذا فالذي يظهر أن غاية ما تدل عليه هذه الآية هو تفضيل جنس الرجال على جنس النساء، وأن الرجل هو المسؤول والقيم على المرأة، أما تولي المرأة ولاية خاصة أو ولاية عامة فلم تتعرض له هذه الآية الكريمة، إلا من جهة تفضيل الجنس، وتفضيل الجنس قد دلت عليه أدلة كثيرة في الكتاب والسنة، فللرجال على النساء درجة ([75])، وهي بكل حال لا تدل على تفضيل بعض أفراد الجنس على بعض.

الدليل الثاني:استدل أكثر الفقهاء ([76])ممن يرى منع المرأة من تولي القضاء بحديث أبي بكرة - رضي الله عنه - قال: "لقد نفعني الله بكلمة سمعتها من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أيام الجمل، بعدما كدت أن ألحق بأصحاب الجمل، فأقاتل معهم، قال: لما بلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن أهل فارس مَلَّكوا عليهم بنت كسرى، قال: "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة" ([77]).

ووجه الدلالة من الحديث:ظاهرة، حيث أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بعدم الفلاح لمن يولي أمره إلى امرأة، وهذا وإن كان خبراً فهو بمعنى الإنشاء؛ فهو بمعنى لا تولوا المرأة أمركم لأنكم لن تفلحوا، وعدم الفلاح دليل الضرر والفشل والفساد([78])، وبهذا يتبيّن بأن تولية المرأة الولايات والتي منها ولاية القضاء ، عنوان الفشل للمجتمع والأمة ([79]).

قال الشوكاني:" فيه دليل على أن المرأة ليست من أهل الولايات، ولا يحل لقوم توليتها؛ لأن تجنب الأمر الموجب لعدم الفلاح واجب" ([80]).

وقد أجيب عن الاستدلال بهذا الحديث بعدة أجوبة، منها:

أولاً:أن الحديث وارد في الولاية العامة، التي هي الخلافة العظمى، أما غير ذلك من الولايات كالقضاء فلم يتعرض له الحديث.

يقول ابن حزم :" فإن قيل: قد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لن يفلح قوم أسندوا أمرهم إلى امرأة»، قلنا: إنما قال ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الأمر العام الذي هو الخلافة، برهان ذلك قوله - عليه الصلاة والسلام -: «المرأة راعية على مال زوجها وهي مسئولة عن رعيتها» ([81]) ، وقد أجاز المالكيون أن تكون وصية ووكيلة، ولم يأت نص من منعها أن تلي بعض الأمور" ([82]).

وقد يستدل أيضاً على أن المقصود الولاية العامة أو الرئاسة أو الملك ما ورد في سبب الحديث، وأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما قال ذلك "لما بلغه أن أهل فارس مَلَّكوا عليهم بنت كسرى" ، كما ورد في نص الحديث.

وقد يستدل – أيضاً- على ذلك بما ورد في ألفاظ الحديث، فإن فيه قوله صلى الله عليه وسلم : "ولوا" ، والولاية إذا أطلقت من غير تحديد انصرفت إلى الخلافة والملك، وكذلك في قوله صلى الله عليه وسلم: "أمرهم" ، فإن الظاهر من هذا النص أمرهم كله، ولا يكون ذلك إلى بإسناد الخلافة العظمى أو الملك؛ لأن ولاة الأمر هم أصحاب الإمارة والخلافة والملك، ومما يدل على ذلك ما جاء في بعض روايات الحديث وألفاظه ففي رواية الإمام أحمد في مسنده بلفظ: "أسندوا أمرهم إلى امرأة" ([83])وبلفظ: "تملكهم امرأة" ([84]) وبلفظ: "ما أفلح قوم تلي أمرهم امرأة" ([85]).

وبهذا يكون المقصود بهذا الحديث ولاية الناس في الملك أو الرئاسة، وتلك أوسع من دائرة القضاء التي هي نوع من أنواع الولايات.

وبهذا لا يتبقى في هذا الحديث إلا قياس منع تولية المرأة القضاء على المنع من توليتها الولاية العامة أو الملك، وسيأتي في المبحث الثالث مدى صحة هذا القياس ([86]).

ثانياً:أن هذا الحديث وارد على طريق الحكاية والخبر، فكأن النبي صلى الله عليه وسلم يخبر عن أولئك القوم بخصوصهم بأنهم لن يفلحوا إذ تولت أمرهم امرأة.

لكن يمكن أن يناقش هذا:بأن لفظ الحديث وإن كان بصيغة الخبر إلا أنه بمعنى الإنشاء، فالنبي صلى الله عليه وسلم كأنه ينهى عن تولية المرأة شأناً عاماً، وإلا فإن النتيجة عدم الفلاح، ثم إن كونها وردت في خصوص قوم كسرى فإن هذا لا يمنع أن يأخذ غيره العبرة والعضة من حالهم، وقد تقرر في علم الأصول أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وقد رتب النبي صلى الله عليه وسلم نتيجة عدم الفلاح على سبب هو تولي المرأة أمرهم، وهذه النتيجة تحصل كلما حصل سببها مع أي قوم ([87]) .

ثالثاً:أجاب بعض المعاصرين عن حديث أبي بكرة رضي الله عنه بأنه حديث لا يصح رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه من رواية أبي بكرة رضي الله عنه، وقد انفرد به، وهو ممن جلدهم عمر رضي الله عنه في حد القذف، فروايته غير مقبولة، لأن من جلد بحد القذف موصوف بالفسق والكذب، فينبغي أن يضم هذا الحديث إلى الأحاديث الموضوعة المكذوبة على النبي صلى الله عليه وسلم ([88]) .

لكن هذا المسلك: الذي سلكه بعض المعاصرين مسلك وخيم، وهو في الحقيقة مزلّة قدم، إذ كيف يُقدح في أحد صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ويُتهم؟ وكيف يُقدح فيما في صحيح البخاري رحمه الله وقد اتفق العلماء سلفاً وخلفاً على قبوله؟

ولقد أجمع علماء المسلمين سلفاً وخلفاً طيلة أربعة عشر قرناً وزيادة على قبول مرويات أبي بكرة رضي الله عنه، وأثبتها علماء الحديث في دواوين السّنّة، وأما جلد أبي بكرة رضي الله عنه في شهادته على المغيرة رضي الله عنه بالزنى، وكونه لم يتب، فذلك لا تأثير له في قبول روايته، لأنَّه لم يكن قاذفاً، وإنما كان شاهداً، وفرق بين الشاهد في الزنى والقاذف فيه([89]) ، يقول ابن قدامة: "المحدود في القذف إن كان بلفظ الشهادة فلا يرد خبره؛ لأنَّ نقصان العدد ليس من فعله، ولهذا روى الناس عن أبي بكرة، واتفقوا على ذلك، وهو محدود في القذف، وإن كان بغير لفظ الشهادة فلا تقبل روايته حتى يتوب" ([90]) .

الدليل الثالث:استدل بعض الفقهاء على منع تولي المرأة القضاء ([91])بحديث بريدة بن الحصيب يرفعه: "القضاة ثلاثة: واحد في الجنة، واثنان في النار، فأما الذي في الجنة، فرجل عرف الحق فقضى به، ورجل عرف الحق وجار في الحكم فهو في النار، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار" ([92]).

ووجه الدلالة من هذا الحديث: قوله فيه :" فرجل ... ورجل"، فإن هذا يفيد حصر القضاء في الرجال، ويخرج بمفهومه النساء، فهن لا يصلحن للقضاء([93]).

يقول الشوكاني:"واستدل المصنف –أيضاً- على ذلك بحديث بريدة المذكور في الباب لقوله فيه: " رجل ورجل " فدل بمفهومه على خروج المرأة" ([94]).

ويمكن أن يجاب عن هذا الاستدلال بما يلي:

أولاً:أن ذكر الرجل في الحديث لم يقصد به الحصر أو التخصيص، وعدم صلاحية غيره للقضاء، إنما ورد ذكره على سبيل الغالب، فإن الغالب في القضاة أنهم من الرجال، أما قضاء المرأة فلم يتعرض له الحديث، فقوله "رجل" لا مفهوم له يخرج المرأة، كما في مثل قوله صلى الله عليه وسلم:"قال الله: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل... الحديث" ([95])وقوله :"ثلاثة لهم أجران: رجل من أهل الكتاب، آمن بنبيه وآمن بمحمد صلى الله عليه وسلم...الحديث"([96])، وقوله صلى الله عليه وسلم:" يا قبيصة إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة رجل، تحمل حمالة ...الحديث" ([97])، فإن قوله :" رجل " في هذه الأحاديث وأمثالها لا مفهوم لها يخرج المرأة، ومثل ذلك حديث القضاة ثلاثة المذكور.

ثانياً:أن عامة شراح الحديث من أهل العلم الذين ذكروا دلالات الحديث وفوائده إنما ذكروا إفادة الحديث منع الجاهل ومن لا يحسن القضاء منه، ولم يذكروا في دلالة حديث بريدة إفادة حصر القضاء في الرجال، وأن المرأة لا تتولى القضاء([98])، إنما ذكره الشوكاني بناء على ذكر المصنف صاحب المنتقى مجد الدين أبو البركات ابن تيمية حيث أورد الحديث تحت "باب المنع من ولاية المرأة والصبي، ومن لا يحسن القضاء، أو يضعف عن القيام بحقه"، فذكر الشوكاني – كما سبق-أن المصنف استدل به على منع المرأة من القضاء، والحقيقة أن ما ذكره الشوكاني هنا محل نظر، حيث إن المصنف قد أورد تحت الباب المذكور عدة أحاديث، منها حديث أبي بكرة رضي الله عنه السابق في منع المرأة من الولاية، ثم حديث منع إمارة الصبيان، ثم الحديث المذكور، والظاهر أن المصنف أراد الاستدلال به على منع من لا يحسن القضاء، وهو الترتيب والتدرج المنطقي لما ذكره المصنف في عنوان الباب، فإنه قال:"باب المنع من ولاية المرأة والصبي، ومن لا يحسن القضاء، أو يضعف عن القيام بحقه"، وقد يكون المصنف أراد ما ذكره الشوكاني، لكنّ وجه ذلك -كما سبق - بعيد.

وكذلك فإن عامة الفقهاء الذين استدلوا بهذا الحديث في شروط القضاء استدلوا به على اشتراط العلم أو الاجتهاد في القاضي، مع ذكر بعضهم لشرط الذكورة حينئذ، ولم أطلع في كتب الفقهاء على من استدل بهذا الحديث على شرط الذكورة في القاضي، أو منع المرأة من تولي القضاء، غير الزركشي من فقهاء الحنابلة ([99])، ولو كان الحديث حجة لما أعرض عن الاستدلال به عامة أهل العلم مع قرب ذكره في شروط القضاء.

الدليل الرابع:استدل بعض أهل العلم ([100])بحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في أضحى أو فطر إلى المصلى، فمر على النساء، فقال: «يا معشر النساء تصدقن فإني أريتكن أكثر أهل النار» فقلن: وبم يا رسول الله؟ قال: «تكثرن اللعن، وتكفرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن» ، قلن: وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول الله؟ قال: «أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل» قلن: بلى، قال: «فذلك من نقصان عقلها، أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم» قلن: بلى، قال: «فذلك من نقصان دينها» ([101]).

لاستكمال القراءة يرجى تحميل ملفات الكتاب

word أو pdf

إظهار التعليقات
التعليقات
أضف تعليق
الإســـــــــــــــــــم :
البريد الالكترونى :
التعليــــــــــــــــق :
اكتب كود التحقق
5247
تعليقات فيس بوك

مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء