\المعاوضة على الفتوى\مؤلفات

المعاوضة على الفتوى

suhaiban.com/index-ar-show-38.html

المعاوضة على الفتوى
مشاهدات : 2065

الخميس 20 محرم 1436 هـ - الخميس 13 نوفمبر 2014 م

المقدمة

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أحمده سبحانه وأشكره، وأثني عليه الخير كله، وأصلي وأسلم على من بعثه ربه رحمة للعالمين، جاهد في الله حق جهاده، ونصح للأمة غاية النصح، ولم يسأل على ذلك من أحد أجراً، فاللهم اجزه عنا وعن أمة محمد خير ما جزيت نبياً عن أمته، وارض اللهم عن آله وصحابته ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

 أما بعد:

لقد احتاج الناس في هذا العصر أكثر من أي عصر مضى إلى بيان العلماء وفتاواهم، وأضحت الفتوى الشرعية في ظل التغيرات المتسارعة ضرورة حياتية، لا يمكن أن يقف دورها إلا إذا أوقفنا عجلة الحياة وتطورها، لهذا كثرت اليوم على مستوى العالم الإسلامي هيئات الإفتاء الرسمية وغير الرسمية، وكثرة - أيضاً - برامج الإفتاء في الإذاعة والتلفاز، وفي مواقع الشبكة العنكبوتية العالمية، وعبر وسائل الاتصال والتواصل الاجتماعي.

ومع كثرة هيئات الإفتاء وبرامج الفتوى وجدت هذه الجهات حاجتها أحياناً إلى أن تبذل أموالاً للمفتين من أهل العلم، هذه الأموال تختلف في أسبابها وأغراضها، وهي لأجل ذلك تختلف في أحكامها، إباحة أو تحريماً، أو كراهة تنزيه أحياناً.

وأخذ المفتي للمال مقابل الفتوى ليست مسألة جديدة، بل قد ذكرها الفقهاء والأصوليون في كتبهم، لكنها اليوم أخذت بعداً آخر من خلال كثرة صور الفتوى واختلافها تبعاً لاختلاف الوسائل التي تجري فيها.

وقد حاولت أن أقف على بحث يجلّي هذه الأحكام فلم أظفر -بعد طول بحث- بكتابة مستقلة فيها، لذلك عزمت على الكتابة حول هذه الأحكام، مستعيناً بالله تعالى، مسترشداً بما كتبه الأئمة المتقدمون، في محاولة لجمع ما تيسر من صور المعاوضة على الفتوى قديماً وحديثاً.

ولا ينبغي أن يفهم من هذه الكتابة التقليل من شأن العلماء والمفتين أو لمزهم، حاشا لله، بل مكانة العلماء الربانين لا يماري فيها أحد من المسلمين، فهم ورثة الأنبياء بعلمهم، وهم أهل النصح والرفق والرحمة، وهم حملة لواء كل صلاح وفضيلة، وما يأخذه العالم والمفتي عوضاً عما يقوم به من عمل في الإفتاء في غالبه ليس فيه أدنى شبهة، وإنما التحريم أو الكراهة تكون في بعض صور المعاوضة على الفتوى، فالبحث يقصد تجلية تلك الصور وبيانها، لعل الله أن ينفع بها العلماء والمفتين والمقدمين لتلك الأموال.

وقد سرت في تقسيم هذا البحث وفق الخطة التالية:

التمهيد، وفيه تعريف الفتوى ، ومكانتها، وآدابها.

المبحث الأول: أرزاق الدولة على المفتين.

المبحث الثاني: أخذ الأجرة على الفتوى.

المبحث الثالث : الهدية على الفتوى.

المبحث الرابع: صور وتطبيقات معاصرة للمعاوضة على الفتوى.

والله المسؤول أن يصلح النية والعمل، وأن يكتب لنا وللمسلمين التوفيق، وأن يجزي كل من سعى لنشر العلم وبيان الحق أعظم الجزاء، وأن يجعلنا جميعاً أنصاراً لدينه وشريعته، وصلى الله وسلم على خير خلقه نبينا وإمامنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

التمهيد في تعريف الفتوى ، ومكانتها، وآدابها.

أولاً: تعريف الفتوى.

الفتوى لغة :الفتوى هي اسم مصدر بمعنى الإفتاء، والجمع الفتاوى والفتاوي، يقال:أفتيته فتوى وفتيا إذا أجبته عن مسألة، والفتيا: تبيين المشكل من الأحكام، والاستفتاء طلب الجواب عن الأمر المشكل، وقد جاءت تصريفات لفظ الفتوى في  القرآن الكريم في عدة مواضع، منها قول الله سبحانه حكاية عن ملكة سبأ: ﭽ ﯖ  ﯗ  ﯘ  ﯙ  ﯚ   ﯛ  ﯜ  ﯝ  ﯞ  ﯟ  ﯠ   ﯡ  ﭼ([1])، وقوله سبحانه حكاية عن الملك في قصة يوسف: ﭽﯶ  ﯷ    ﯸ  ﯹ  ﯺ  ﯻ    ﯼ           ﯽ   ﯾ  ﭼ([2])، وقوله  سبحانه:ﭽ ﮔ  ﮕ  ﮖ    ﮗ  ﮘ ﭼ([3])، وقوله سبحانه:ﭽ ﮋ  ﮌ  ﮍ  ﮎ   ﮏ  ﮐ  ﮑﮒﭼ([4])، وقوله سبحانه:ﭽ ﭑ  ﭒ  ﭓ  ﭔ  ﭕ  ﭖﭗﭼ([5]).([6]).

الفتوى اصطلاحاً:ليس معنى الفتوى الاصطلاحي ببعيد عما يذكره أهل اللغة، كما هو استعمال القرآن الكريم إلا أن الفتوى في القرآن جاءت بمعنى البيان وهو أوسع من الاستعمال الاصطلاحي الخاص ببيان الحكم الشرعي للوقائع والنوازل التي يسأل عنها.

 وقد عرفت الفتوى بعدة تعريفات منها:

1  - أن الفتوى : الإخبار عن حكم الشرع لا على وجه الإلزام.

 والتقييد بقوله :"لا على وجه الإلزام" ليخرج القضاء، فإنه إخبار بالحكم الشرعي وإلزام به.([7])

- وقيل في تعريفها: إنها إخبار عن حكم الله تعالى عن دليل شرعي، لمن سأل عنه، بأمر نازل.

وإنما قال:" لمن سأل عنه، بأمر نازل"؛ لأنَّ الإخبار بحكم الله تعالى عن غير سؤال إرشاد، والإخبار به عن سؤال في غير أمر نازل تعليم([8]).

ثانياً: مكانة الفتوى، وموقعها من الدين.

منذ فجر الإسلام الأول إلى يومنا هذا بل إلى يوم القيامة وأهل الإسلام بحاجة إلى الفتوى، حاجتهم إليها هي حاجتهم إلى دينهم، إذا كيف يتبّن لهم أمر دينهم في الوقائع والنوازل والقضايا والمستجدات إلا عن طريقها، وذلك حتى يعبدوا الله على نور وبصيرة، ويقيموا شرع الله في علاقاتهم ومعاملاتهم، ولذا قال ابن القيم:" وحاجة الناس إليهم-يعني الفقهاء والمفتين- أعظم من حاجتهم إلى الطعام والشراب، وطاعتهم أفرض عليهم من طاعة الأمهات والآباء بنص الكتاب" ([9]).

الفتوى في الإسلام لها شأن عظيم، وهي إحدى وظائف الأنبياء، ولذلك فالمفتون في هذه الأمة خلفاء للنبي - صلى الله عليه وسلم - في وظيفة من وظائفه في البيان عن الله تعالى، يقول الشاطبي:" المفتي هو القائم في الأمة مقام النبي صلى الله عليه وسلم" ([10]).

ويقول الإمام النووي: "اعلم أن الإفتاء عظيم الخطر، كبير الموقع، كثير الفضل؛ لأن المفتي وارث الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، وقائم بفرض الكفاية، لكنه معرض للخطأ، ولهذا قالوا: المفتي موقع عن الله - تعالى -، وروينا عن ابن المنكدر قال: (العالم بين الله - تعالى - وخلقه، فلينظر كيف يدخل بينهم"  ([11]).

ويقول ابن القيم مبيّناً عظيم أمر الفتوى، ومنزلتها وشرفها: "وإذا كان منصب التوقيع عن الملوك بالمحل الذي لا ينكر فضله، ولا يجهل قدره، وهو من أعلى المراتب السنيات، فكيف بمنصب التوقيع عن رب الأرض والسماوات؟ فحقيق بمن أقيم في هذا المنصب أن يُعدَّ له عدَّته، وأن يتأهب له أهبته، وأن يعلم قدر المقام الذي أقيم فيه، ولا يكون في صدره حرج من قول الحق والصدع به فإن الله ناصره وهاديه، وكيف وهو المنصب الذي تولاه بنفسه رب الأرباب فقال - تعالى -: (ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب) وكفى بما تولاه الله - تعالى - بنفسه شرفاً وجلالة"  ([12]).

ثانياً: آداب الفتوى، وشروطها.

ذكر الفقهاء جملة من الشروط التي لا بد أن تتوفر في المفتي، وذكروا أيضاً آداباً لها، وهذه إشارة موجزة لتلك الشروط والآداب رأيت أن أضعها بين يدي هذا الموضوع.

اتفق الفقهاء على أنه لا يشترط في المفتي الحرية، ولا الذكورية، ولا النطق، فتصح فتيا العبد والمرأة والأخرس ويفتي بالكتابة أو بالإشارة المفهمة ([13]).

وكذلك لم يشترط الفقهاء في المفتي البصر، فتصح فتيا الأعمى([14])، أما السمع، فاشترطه بعض الحنفية، فلا تصح فتيا الأصم عندهم، قال ابن عابدين: "لا شك أنه إذا كتب له السؤال وأجاب عنه جاز العمل بفتواه، إلا أنه لا ينبغي أن ينصب للفتوى، لأنه لا يمكن كل أحد أن يكتب له" ([15]).

أما ما يشترط في المفتي فهي أمور يمكن إجمالها في الآتي:

1 – الإسلام .

2 – العقل.

3 - البلوغ.

4 – العدالة، واشتراطها محل خلاف، وجمهور العلماء عليه؛ لأن الإفتاء يتضمن الإخبار عن الحكم الشرعي، وخبر الفاسق لا يقبل، واستثنى بعضهم إفتاء الفاسق نفسه فإنه يعلم صدق نفسه ([16])، وذهب بعض الحنفية إلى أن الفاسق يصلح مفتيا؛ لأنه يجتهد لئلا ينسب إلى الخطأ ([17])، وقال ابن القيم: "تصح فتيا الفاسق، إلا أن يكون معلناً بفسقه وداعياً إلى بدعته، وذلك إذا عم الفسوق وغلب، لئلا تتعطل الأحكام، والواجب اعتبار الأصلح فالأصلح" ([18]).

وأما المبتدعة، فإن كانت بدعتهم مكفرة أو مفسقة لم تصح فتاواهم، وإلا صحت فيما لا يدعون فيه إلى بدعهم، قال الخطيب البغدادي: تجوز فتاوى أهل الأهواء ومن لا نكفره ببدعته ولا نفسقه، وأما الشراة والرافضة الذين يشتمون الصحابة ويسبون السلف فإن فتاويهم مرذولة وأقاويلهم غير مقبولة([19]).

5 – الاجتهاد، ومفهوم هذا الشرط: أن فتيا العامي والمقلد الذي يفتي بقول غيره لا تصح، وقد ذكر ابن القيم في فتيا المقلد ثلاثة أقوال، أصحها هو الجواز عند الحاجة وعدم العالم المجتهد، قال ابن القيم: وهو أصح الأقوال، وعليه العمل ([20]).

وقد نقل غير واحد من الأصوليين عن ابن دقيق العيد قوله: "توقيف الفتيا على حصول المجتهد يفضي إلى حرج عظيم، أو استرسال الخلق في أهوائهم، فالمختار أن الراوي عن الأئمة المتقدمين إذا كان عدلاً متمكناً من فهم كلام الإمام ثم حكى للمقلد قوله فإنه يكتفي به، لأن ذلك مما يغلب على ظن العامي أنه حكم الله عنده، وقد انعقد الإجماع في زماننا على هذا النوع من الفتيا"  ([21]).

6- جودة القريحة: ومعنى ذلك أن يكون كثير الإصابة، صحيح الاستنباط، فلا تصلح فتيا الغبي، ولا من كثر غلطه، بل يجب أن يكون بطبعه شديد الفهم لمقاصد الكلام ودلالة القرائن، صادق الحكم، قال النووي: "شرط المفتي كونه فقيه النفس، سليم الذهن، رصين الفكر، صحيح النظر والاستنباط"  ([22]).

7 - الفطانة والتيقظ: يشترط في المفتي أن يكون متيقظاً ([23])، قال ابن عابدين: "شرط بعضهم تيقظ المفتي، قال: وهذا شرط في زماننا، فلا بد أن يكون المفتي متيقظاً يعلم حيل الناس ودسائسهم، فإن لبعضهم مهارة في الحيل والتزوير وقلب الكلام وتصوير الباطل في صورة الحق، فغفلة المفتي يلزم منها ضرر كبير في هذا الزمان" ([24]).

ومما يتعلق بهذا ما نبه إليه بعض العلماء من أنه يشترط في المفتي أن يكون على علم بالأعراف اللفظية للمستفتي، لئلا يفهم كلامه على غير وجهه، وهذا إن كان إفتاؤه فيما يتعلق بالألفاظ كالأيمان والإقرار ونحوها ([25]).

هذه هي شروط الفتيا إجمالاً ، وقد نبه بعض الفقهاء إلى خصال مكملة للفتوى منها ما نقله ابن القيم عن الإمام أحمد أنه قال: "لا ينبغي للرجل أن ينصب نفسه للفتيا حتى يكون فيه خمس خصال: أن تكون له نية، فإن لم يكن له نية لم يكن عليه نور، ولا على كلامه نور، وأن يكون له علم وحلم ووقار وسكينة، وأن يكون قوياً على ما هو فيه وعلى معرفته، والكفاية وإلا مضغه الناس، ومعرفة الناس" ([26]).

كما ذكر العلماء أن من أهم صفات المفتي عدم التعلق بالدنيا، وأنه ينبغي له أن لا يشين علمه وتعليمه بالطمع، فلقد جاء في منثور الحكم "أن الطمع يذهب الحكمة من قلوب العلماء" ([27]).

 وقد لخص أحد أهل العلم الأجلاء آداب المفتي فقال:"المفتي لا بد أن يكون عالماً مستبصراً، ذا ديانة، ومن شروط الكمال أن يكون ذا أناة وتؤدة، متوخياً الوسطية، بصيراً بالمصالح، وعارفاً بالواقع، متطلعاً إلى الكليات، ومطلعاً على الجزئيات، موازناً بين المقاصد والوسائل والنصوص الخاصة، ذلك هو الفقيه المستبصر" ([28]).

المبحث الأول: أرزاق الدولة على المفتين.

في هذا المبحث مطلبان :

المطلب الأول: معنى الرزق، وأحكامه.

المطلب الثاني: أخذ الرزق على الفتوى.

المطلب الأول: معنى الرزق، وأحكامه.

أولاً : معنى الرزق:

الرزق لغة:بفتح الراء العطاء، مصدر قولك رزقه الله يرزقه، والرِزق بالكسر ما ينتفع به، فهو اسم والمصدر الحقيقي الرزق بالفتح، ويجوز أن يوضع موضع المصدر، وقيل : الرزق: اسم لما يسوقه الله إلى الحيوان ويصل إلى الجوف ويتغذى به، والأرزاق نوعان : ظاهرة للأبدان كالأقوات، وباطنة للقلوب كالمعارف والعلوم، يقال: أعطى السلطان رزق الجند، ورزقت علماً ([29]).

والرزق عند الفقهاء يعرف بعدة تعريفات منها:

1 - أنه: ما يفرض في بيت المال بقدر الحاجة والكفاية مشاهرة أو مياومة ([30]).

2 - وقيل: الرزق هو ما يجعل لفقراء المسلمين إذا لم يكونوا مقاتلين([31]).

3 – وقيل : الرزق ما يرتبه الإمام من بيت المال لمن يقوم بمصالح المسلمين([32]).

وعند تأمل هذه التعريفات نجد ما يلي:

1 - هناك من الفقهاء من فرّق بين العطاء والرزق، فجعل الرزق خاص بالمحتاجين من الفقراء ومن يقوم بمصالح المسلمين غير المقاتلة، وخص العطاء بالمقاتلة فقط ([33])، وعند بعضهم تفريق آخر بين الرزق والعطاء من جهة وقت دفع المال، بأن العطاء ما يخرجه الإمام كل عام، والرزق ما يخرجه كل شهر ([34]).

لكن إطلاق غالب الفقهاء الرزق على ما يفرض من بيت المال للمقاتلة ولغيرهم، كالقضاة والمفتين والأئمة والمؤذنين([35]).

2 – غالب تعريفات الفقهاء للرزق تفيد أنه يكون دفعه من بيت المال، مع أن الرزق ليس خاصاً ببيت المال، بل قد يكون الرزق من جهة أخرى كالأوقاف والجهات الخيرية، أو حتى الأشخاص المتبرعين به، وقد ذكر ذلك بعض الفقهاء فنقل النووي في مقدمة المجموع عن الصيمري والخطيب قولهما:" لو اتفق أهل البلد فجعلوا له رزقاً من أموالهم على أن يتفرغ لفتاويهم جاز" ([36]).

وعلى هذا فيمكن أن يكون التعريف المختار للرزق هو:

"المال المفروض إعانة لمن يقوم بمصالح المسلمين"

ثانياً: أحكام الرزق الخاصة:

ذكر الفقهاء عدة أحكام للأرزاق منها:

1                     - أنه يجوز في الأرزاق الدفع والقطع والتقليل والتكثير والتغيير؛ لأن الأرزاق من باب المعروف وتصرف بحسب المصلحة، وقد تعرض مصلحة أعظم من تلك المصلحة فيتعين على الإمام الصرف فيها ([37]).

2                     - أرزاق بيت المال، التي تجريها الدولة ليست إجارة، لذلك لا يشترط فيها مقدار من العمل، ولا أجل تنتهي إليه الإجارة، وليس مقدرا ًكل شهر بكذا، وكل سنة بكذا حتى تكون إجارة، بل هو إعانة على الإطلاق ([38]).

3                     – يجوز أخذ الرزق للإعانة على الطاعة مما يتعدى نفعه إلى جميع المسلمين من المصالح، كالقضاء والفتيا والأذان والإمامة وتعليم القرآن وتدريس العلم النافع من الحديث والفقه، وتحمل الشهادة وأدائها، كما يدفع منه أرزاق المقاتلة وذراريهم لأن ذلك من المصالح العامة ([39])، قال الإمام الجويني في ذكره الأصناف التي تعطى من الأرزاق:"الصنف الثاني: الذين انتصبوا لإقامة أركان الدين، وانقطعوا بسبب اشتغالهم واستقلالهم بها عن التوسل إلى ما يقيم أودهم ويسد خلتهم، ولولا قيامهم بما لابسوه لتعطلت أركان الإيمان، فعلى الإمام أن يكفيهم مؤنهم حتى يسترسلوا فيما تصدروا له بفراغ جنان، وتجرد أذهان، وهؤلاء هم القضاة والحكام والقسام والمفتون والمتفقهون، وكل من يقوم بقاعدة من قواعد الدين يلهيه قيامه بها عما فيه سداده وقوامه" ([40]).

4                     - أن ما يؤخذ من بيت المال من رزق للإعانة على الطاعة لا ينقص أجر الطاعة ولا يقدح في الإخلاص، بل من عمل لله أثيب وما يأخذه رزق للإعانة، قال ابن تيمية:"أما ما يؤخذ من بيت المال فليس عوضاً وأجرة، بل رزق للإعانة على الطاعة، وأخذ الرزق على العمل لا يخرجه عن كونه قربة، ولا يقدح في الإخلاص؛ لأنه لو قدح ما استحقت الغنائم وسلب القاتل" ([41]).

وبهذا يظهر أن الرزق يختلف عن الإجارة في كثير من أحكامه، فلا يشترط فيه ما يشترط في الإجارة من تحديد المدة أو العمل أو مقدار الأجرة ([42]).

 

 

 

المطلب الثاني : أخذ الرزق على الفتوى:

تقدمت الإشارة إلى أن أرزاق المفتين هي أحد مصارف بيت المال؛ لتعلقها بمصلحة عموم المسلمين، ولكن عند تأمل أقوال الفقهاء نجد أنهم لم يتفقوا على هذا المبدأ بإطلاق، وإنما جعلوا لذلك قيوداً، ولهذا فيمكن أن يكون أخذ الرزق على الفتيا على حالين:

الحالة الأولى:أن يكون المفتي محتاجاً للمال، وليس له كفاية، ولم يتعين عليه أن يفتي، ففي هذه الحالة اتفق فقهاء الحنفية ([43]) والمالكية ([44])  والشافعية ([45])والحنابلة ([46])على جواز أخذ المفتي للرزق من بيت المال.

ويدل لهذا الاتفاق:

أن منصب الإفتاء من المناصب التي يحتاجها العامة، فهو في معنى الإمامة والقضاء، فالتفرغ لهذا العمل والانقطاع له من حاجات المسلمين ومصالحهم العامة، وبيت المال معد لمصالح المسلمين العامة، والمفتي قد فرّغ نفسه لعمل من أهم أعمال المسلمين، فثبت حق كفايته من بيت المال([47]).

الحالة الثانية:أن لا يكون المفتي محتاجاً، ولم تتعين عليه الفتوى، فأخذ الرزق للمفتي في هذه الحالة محل خلاف بين أهل العلم، وسبب الخلاف عند بعض الفقهاء ما ذكره ابن القيم بقوله:" وهذا فرع متردد بين عامل الزكاة وعامل اليتيم، فمن ألحقه بعامل الزكاة قال: النفع فيه عام، فله الأخذ، ومن ألحقه بعامل اليتيم منعه من الأخذ" ([48]).

وهذا سياق قولي الفقهاء في هذه المسألة:

  القول الأول: عدم جواز أخذ الرزق للمفتي إذا لم يكن محتاجاً، أو في حال تعيّنت عليه الفتوى، وقد ذكر هذا بعض فقهاء الحنفية ([49]) والمالكية ([50])وهو الأصح في مذهب الشافعية ([51])والمشهور من مذهب الحنابلة ([52]).

أدلة هذا القول:

أولاً : قياس المفتي على ولي اليتيم، فإذا كان محتاجاً أخذ وإلا لم يجز له الأخذ، قال الله تعالى:  ﭽﯺ  ﯻ              ﯼ  ﯽﯾ  ﯿ  ﰀ      ﰁ  ﰂ  ﰃﰄ  ﭼ([53])،وإنما صح القياس لأن كلاً منهما منتصباً لمعاملة الرعية بالأحظ لهم ([54]).

ويمكن أن يجاب عن هذا الاستدلال: بأن هذا القياس قياس مع الفارق، فإنه وإن صح تنزيل الراعي والإمام منزلة ولي اليتيم كما في الأثر عن عمر رضي الله عنه ([55])،إلا أن تنزيل المفتي بمنزلة ولي اليتيم غير وجيه، ذلك أن المفتي لا يرعى حقاً للرعية ينظر فيما هو الأصح فيها، بما في ذلك ما يؤتمن عليه من أموال، وإنما المفتي يجتهد في بيان ما يشكل على الناس في أمر دينهم فقط، فهما مفترقان من هذا الوجه، وأيضاً فإن ما يأخذه ولي اليتيم مال خاص للأيتام لا يجوز له التصرف فيه ولا النفقة منه إلا بما هو الأصلح لهم خاصة، وأما ما يأخذه المفتي من بيت المال فهو من جملة ما يأخذه كل عامل متفرغ لعمل المسلمين ومصالحهم.

ثانياً: أن الإفتاء إذا كان متعيّناً على المفتي، فإنه يأخذ الرزق على أدائه فرض عين عليه، يجب أداؤه بدون رزق ([56]).

ويمكن أن يجاب عن هذا: بأن تعيّن الفتوى على المفتي ووجوبها عليه لا يسقط حقه في بيت المال؛ لأن ما يأخذه المفتي من الرزق ليس عوضاً عن الفتوى، وإنما هو إعانة على هذه الطاعة، ولأنه قد فرغ نفسه لمصلحة المسلمين.  

القول الثاني: جواز أخذ الرزق للمفتي مطلقاً، وإن كان غير محتاج، وإن تعيّنت عليه الفتوى، وهذا هو مقتضى إطلاق الحنفية ([57])، وقال به بعض المالكية ([58])، وهو قول عند الشافعية ([59])ووجه في مذهب الحنابلة ([60]).

أدلة هذا القول:

أولاً: قياس المفتي في جواز أخذه للرزق على عامل الزكاة، فإنه يأخذ مع الغنى، وذلك بالنظر إلى عموم الحاجة إلى المفتي وحصول المصلحة العامة به

ويمكن أن يجاب عن هذا: بأن هذا قياس مع وجود الفرق، من جهة أن عامل الزكاة مستأجر من جهة الإمام لجباية أموال المستحقين لها وجمعها فما يأخذه يأخذه بعمله، كمن يستأجره الرجل لجباية أمواله, وأما المفتي فإنه منتصب لبيان أحكام الشريعة للناس وتبليغها إليهم فهو مبلغ عن الله تعالى عز وجل بفتياه، والمبلغ عن الله تعالى لا يستحق عليهم شيئاً إلا إن كان محتاجاً فله من الفيء ما يسد حاجته وهذا لون وعامل الزكاة لون([61]).

ثانياً: أن للمفتي أخذ الرزق من بيت المال؛ لأن له فيه حقا على الفتيا، فجاز له أخذ حقه، وذلك أن الإفتاء من المصالح العامة للمسلمين والمفتي يقوم بهذه المصلحة ([62]).

ثالثاً:  أن الحاجة داعية للقيام بمهمة الفتوى والتفرغ والانقطاع لها، وفرض رزق من بيت المال لمن انقطع لأجل ذلك واجب على الأئمة، وإلا تعطلت في الناس هذه المهمة العظيمة([63])، يقول الإمام الجويني في ذكره الأصناف التي تعطى من الأرزاق:"الصنف الثاني: الذين انتصبوا لإقامة أركان الدين، وانقطعوا بسبب اشتغالهم واستقلالهم بها عن التوسل إلى ما يقيم أودهم ويسد خلتهم، ولولا قيامهم بما لابسوه لتعطلت أركان الإيمان، فعلى الإمام أن يكفيهم مؤنهم حتى يسترسلوا فيما تصدروا له بفراغ جنان، وتجرد أذهان، وهؤلاء هم القضاة والحكام والقسام والمفتون والمتفقهون، وكل من يقوم بقاعدة من قواعد الدين يلهيه قيامه بها عما فيه سداده وقوامه" ([64]).

رابعاً :قياس المفتي في وجوب نفقته من بيت المال على القاضي، وقياسه -أيضاً - على الزوجة في حبسها نفسها لزوجها، قالوا :" لأن المفتين قد حبسوا أنفسهم لمصالح المسلمين لتعليمهم أحكام شريعتهم وما يأتونه ويذرونه في أقوالهم وأفعالهم، وما يتعلق به من مصالح دينهم ودنياهم، وذلك من أهم مصالحهم وأعمها، فكانت كفايتهم عليهم لقيام مصالحهم، أصله القاضي والزوجة على ما عرف" ([65]).

قال ابن حمدان :" فإن كان اشتغاله بها وبما يتعلق بها يقطعه عما يعود به على حاله فله الأخذ" ([66]).

الراجح من هذين القولين:

الذي يظهر من عموم الأدلة رجحان القول الثاني وهو جواز أخذ الرزق من بيت المال على الإفتاء مطلقاً، سواء كان المفتي محتاجاً أم غير محتاج، وسواء تعيّنت عليه الفتوى أم لم تتعيّن، أما أدلة القول الآخر فقد سبقت مناقشتها بما يكفي.

وحيث ترجح القول بالجواز فإنه ينبغي التنبيه إلى ما يلي:

أولاً :نص بعض أهل العلم على أن الورع للمفتي هو ترك الأخذ من أرزاق بيت المال، وأن الأولى له التبرع بالفتوى([67]).

فهل من الورع للمفتي ترك أرزاق الدولة؟ وهل الأخذ من رزق الدولة خلاف الورع؟

الحقيقة أن هذه المسألة تحتاج إلى شيء من التأمل، وأن إطلاق القول بذلك محل نظر؛

إذ كيف يجعل رزق المفتي المتفرغ لهذا العمل الجليل من بيت المال محل شبهة، مع أن عامة الفقهاء – كما تقدم- قد نصوا على حلّ هذا الرزق للمفتي لأجل كفايته وعياله !

فالمفتي  الذي نصبه  ولي الأمر كغيره من الناس له حاجاته ومصالحه، فعند تورعه عن الأخذ ربما يلحقه ضرر، وربما احتقره الناس ، ولهذا ذكر الإمام أحمد في صفات المفتي أنه لا بد أن يكون له كفاية وإلا مضغه الناس ([68]).

ولأنه ثبت في صحيح السنة جواز الأخذ مما يعطى من غير استشراف وسؤال، فقد روى عبد الله بن السعدي رضي الله عنه أنه قدم على عمر في خلافته، فقال له عمر: ألم أحدث أنك تلي من أعمال الناس أعمالاً، فإذا أعطيت العمالة كرهتها، فقلت: بلى، فقال عمر: فما تريد إلى ذلك، قلت: إن لي أفراساً وأعبداً وأنا بخير، وأريد أن تكون عمالتي صدقة على المسلمين، قال عمر: لا تفعل، فإني كنت أردت الذي أردت، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيني العطاء، فأقول: أعطه أفقر إليه مني، حتى أعطاني مرة مالاً، فقلت: أعطه أفقر إليه مني، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «خذه، فتموله، وتصدق به، فما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه، وإلا فلا تتبعه نفسك» ([69]).

فهذه الحادثة تدل على كمال عقل عمر بن الخطاب رضي الله عنه وكمال فقهه، وكمال ورعه وفضله، فإنه تورع عن أخذ المال لما أعطاه النبي صلى الله عليه وسلم، وأخذه بأمره، ثم أمر به عماله، عملاً بوصية النبي صلى الله عليه وسلم، ولهذا اختلف العلماء في هذا الأمر من النبي صلى الله عليه وسلم لأخذ المال -كما في هذا الحديث - هل هو للوجوب أم للندب ؟ ([70]).

قال ابن بطال عند شرحه هذا الحديث:"وفيه أن ما جاء من المال الطيب الحلال من غير مسألة، فإن أخذه خير من تركه إذا كان ممن يجمل الأخذ منه، وفيه أن رد عطاء الإمام ليس من الأدب، لأنه داخل تحت عموم قوله تعالى: (وما آتاكم الرسول فخذوه) فإذا لم يأخذه فكأنه لم يأتمر لله، فكأنه من سوء الأدب"([71]).

وقال في موضع آخر: "وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم لعمر فى العطاء: (خذه فتموله وتصدق به) فإنما أراد صلى الله عليه وسلم الأفضل والأعلى من الأجر؛ لأن عمر وإن كان مأجورًا بإيثاره بعطائه على نفسه من هو أفقر إليه منه، فإن أخذه للعطاء ومباشرته الصدقة بنفسه أعظم لأجره، وهذا يدل أن الصدقة بعد التمول أعظم أجرًا؛ لأن خلق الشح حينئذ مستول على النفوس، وفيه: أن أخذ ما جاء من المال من غير مسألة أفضل من تركه؛ لأنه يقع في إضاعة المال، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك" ([72]).

وفي هذا المعنى يقول أبو الدرداء رضي الله عنه:" إن أحدكم يقول اللهم ارزقني وقد علم أن الله لا يخلق له ديناراً ولا درهماً، وإنما يرزق بعضكم من بعض، فإذا أعطي أحدكم شيئاً فليقبله، وإن كان غنياً فليضعه في أهل الحاجة من إخوانه، وإن كان فقيراً فليستعن به على حاجته ولا يرد على الله رزقاً رزقه" ([73]).

ولهذا السبب ذكر جماعة من العلماء أن الأفضل للمفتي ومن في حكمه ممن يقوم بعمل من مصالح المسلمين هو الأخذ من الرزق وعدم تركه، قالوا :"الآخذ أعون في العمل، وألزم للنصيحة من التارك؛ لأنه إن لم يأخذ كان عند نفسه متطوعاً بالعمل، فقد لا يجد جد من أخذ؛ ركوناً إلى أنه غير ملتزم، بخلاف الذي يأخذ فإنه يكون مستشعراً بأن العمل واجب عليه فيجد جده فيها" ([74]).

وقد نبه القرافي في الفروق إلى هذه المسألة مبيّنا ًالفرق في الورع بين أخذ الرزق والأجرة على الإمامة، وكلامه يصدق على الفتوى فقال:" وكثير من الفقهاء يغلظ في هذه المسألة فيقول إنما يجوز تناول الرزق على الإمامة؛ بناء على القول بجواز الإجارة على الإمامة في الصلاة، ويتورع عن تناول الرزق؛ بناء على الخلاف في جواز الإجارة، وليس الأمر كما ظنه؛ بل الأرزاق مجمع على جوازها؛ لأنها إحسان ومعروف وإعانة لا إجارة، وإنما وقع الخلاف في الإجارة؛ لأنه عقد مكايسة ومغابنة، فهو من باب المعاوضات ...والأرزاق ليس بمعاوضة ألبتة لجوازه في أضيق المواضع المانعة من المعاوضة وهو القضاء والحكم بين الناس فلا ورع حينئذ في تناول الرزق"  ([75]).

وبهذا يظهر جواز أخذ الأرزاق التي تجريها الدولة على المفتين، سواء كان المفتي محتاجاً أو غير محتاج، وسواء تعيّنت عليه الفتوى أو لم تتعيّن، وذلك أن ما تعطيه الدولة من رزق للإعانة على هذه المهمة من أجل التفرغ لها، والجد والنشاط في بذل الوسع في سد هذه الثغرة المهمة في حياة المسلمين.

ثانياً:الواجب على حكومة الدولة المسلمة أن تقوم برعاية حق المفتين، وأن تجعل لهم من المخصصات ما يكون كافياً لهم، ولمن تحت أيديهم، وأن ترعى في ذلك مكانتهم بين الناس، حتى تغنيهم بذلك عن الاحتراف والتكسب الذي ربما صرفهم عن هذه المهمة الشريفة التي قلّ من يقوم بمثلها بين الناس، وقد نص غير واحد من أهل العلم على القول بوجوب رزق الدولة للمفتين، فنقل النووي عن الخطيب البغدادي قوله :"وعلى الإمام أن يفرض لمن نصب نفسه للفتوى في الأحكام ما يغنيه عن الاحتراف، ويكون ذلك من بيت المال، ثم روى بإسناده أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أعطى كل رجل ممن هذه صفته مائة دينار في السنة" ([76]).

وجاء في كشاف القناع:"ويجب على الإمام أن يفرض من بيت المال لمن نصب نفسه لتدريس العلم والفتوى في الأحكام ما يغنيه عن التكسب؛ لدعاء الحاجة إلى القيام بذلك، والانقطاع له، وهو في معنى الإمامة والقضاء" ([77]).

وفي البحر الرائق :" وعلى الإمام أن يفرض لمدرس ومفت كفايته" ([78]).

ثالثاً:نص جماعة من الفقهاء على أنه لو اتفق أهل البلد فجعلوا للمفتي رزقاً من أموالهم على أن يتفرغ لفتاويهم جاز ([79]).

وما ذكره الفقهاء هنا يعمل به في حال تعذر قيام الدولة المسلمة بواجبها تجاه المفتين، وكذلك في حال وجود المسلمين في بلاد غير إسلامية، فينبغي أن تقوم بهذا الواجب جمعيات خيرية أو مراكز علمية، أو مؤسسات وقفية وأهلية؛ لأنه من فروض الكفايات، حتى يتفرغ أهل الفتوى لعملهم في دراسة قضايا الناس المستجدة في تلك البلاد.

 

 

 

 

 

 

 

المبحث الثاني: أخذ الأجرة على الفتوى.

وفي هذا المبحث مطلبان:

المطلب الأول: أخذ الأجرة بسبب الفتوى.

المطلب الثاني: أخذ الأجرة بسبب تكاليف الفتوى.

المطلب الأول: أخذ الأجرة بسبب الفتوى.

المقصود هنا هو طلب المفتي الأجرة على الفتوى من المستفتي أو غيره مع عدم وجود أي تكاليف عليه، وإنما لمجرد أنه أفتاه بلسانه، أي من غير كتابة للفتوى، لأن من الفقهاء من فرّق في حكم أخذ الأجرة على الفتوى بين الفتوى باللسان والفتوى المكتوبة، وللفقهاء في حكم أخذ الأجرة على الفتوى غير المكتوبة، أو بعبارة أدق غير المكلفة على المفتي، سواء تعينت عليه الفتوى بأن كانت فرض عين، أو لم تتعين بأن وجد غيره وكانت في حقه فرض كفاية، للفقهاء في ذلك قولان:

القول الأول: جواز أخذ الأجرة على الفتوى إذا لم تتعين عليه، بأن كان الإفتاء في حقه فرض كفاية لوجود غيره ، وإلى هذا ذهب جماعة من فقهاء المالكية ([80]) والظاهرية ([81]).

دليل هذا القول:

أولاً :أن الفتوى إذا تعيّنت على المفتي بأن لم يكن بالبلد غيره فهي فرض عين عليه، وأخذ الأجرة حينئذ يعد من أكل المال بالباطل، لأن الطاعة المفترضة عليه لا بد من عملها فأخذه الأجرة على ذلك لا وجه له، وإذا لم تتعين عليه فأخذ الأجرة جائز، لأنها لم تتعين عليه([82]).

ويمكن أن يجاب عن هذا: بأن التوجيه بالمنع من أخذ الأجرة على الفتوى في حال كونها فرض  عين مقبول، أما في حال كونها فرض كفاية  فليس مقبولاً ، فليست العلة في المنع من أخذ الأجرة على الفتوى هي وجوبها عيناً على المفتي بل كونها عبادة وقربة وبلاغ عن الله، وبهذا يستوي فرض عين أو كفاية.

ثانياً :أن ما يقوم به المفتي للمستفتي الذي استأجره نفع يصل إلى المستأجر فجاز أخذ الأجرة عليه: كسائر المنافع ([83]).

القول الثاني: عدم جواز أخذ الأجرة على الفتوى مطلقاً، سواء تعين على المفتي الإفتاء أو لم يتعين، وسواء كان محتاجاً أو غير محتاج، وإلى هذا ذهب أكثر أهل العلم، فهو قول الحنفية([84]) وبعض المالكية ([85]) والشافعية([86]) والحنابلة ([87]).

أدلة هذا القول:

أولاً:استدلوا بقوله تعالى: ﭽ ﮠ  ﮡ   ﮢ  ﮣ  ﮤ  ﮥ  ﮦ  ﮧ  ﮨ  ﮩ  ﮪ  ﮫ   ﮬ  ﮭ  ﮮﮯ  ﮰ  ﮱ  ﯓ  ﯔ  ﯕ   ﭼ([88]).

قال القرطبي عند تفسير هذه الآية:" وبها استدل العلماء على وجوب تبليغ العلم الحق، وتبيان العلم على الجملة، دون أخذ الأجرة عليه، إذ لا يستحق الأجرة على ما عليه فعله، كما لا يستحق الأجرة على الإسلام" ([89]).

ثانياً:حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من سئل عن علم فكتمه، ألجم بلجام من نار يوم القيامة " ([90]).

ووجه الدلالة من الحديث:" أنه إذا كان واجباً على المفتي بيان الجواب للمستفتي، وكان في حال كتمانه الجواب آثماً فإن أخذه أجرة على الفتوى أكل للمال بالباطل، حيث يأخذه على أمر واجب، قال الخطابي معلقاً على هذا الحديث:"وهذا في العلم الذي يلزمه تعليمه إياه ويتعين عليه فرضه .... كمن جاء مستفتياً في حلال أو حرام يقول أفتوني وأرشدوني فإنه يلزم في مثل هذه الأمور أن لا يمنعوا الجواب عما سألوا عنه من العلم، فمن فعل ذلك آثماً مستحقاً للوعيد والعقوبة، وليس كذلك الأمر في نوافل العلم، التي لا ضرورة بالناس إلى معرفتها" ([91]).

ثالثاً: أن الفتوى كغيرها من أعمال الطاعة والعبادة التي يختص أن يكون فاعلها من أهل القرب فلا يفعلها إلا مسلم؛ وإذا فعل العمل بالأجرة لم يبق عبادة لله، فإنه يبقى مستحقا بالعوض معمولاً لأجله، والعمل إذا عمل للعوض لم يبقعبادة، كالصناعات التي تعمل بالأجرة، ومن المعلوم أن الفتوى لا يجوز إيقاعها على غير وجه العبادة لله؛ كما لا يجوز إيقاع الصلاة والصوم والقراءة على غير وجه العبادة لله والاستئجار يخرجها عن ذلك ([92]).

وأجيب عن هذا :بأنه إذا كانت لا عبادة في هذه الحال لا تقع على وجه العبادة فيجوز إيقاعها على وجه العبادة وغير وجه العبادة؛ لما فيها من النفع ([93]).

وقد انتقد شيخنا ابن عثيمين قول الفقهاء:«ولا تصح –يعني الإجارة- على عمل يختص أن يكون فاعله من أهل القربة» فقال:" هذه العبارة تداولها العلماء ـ رحمهم الله ـ وتلقوها ناشئاً عن سابق.... ولكن ما يقع قربة بالقصد، وينتفع به الغير فلا بأس أن يأخذ الإنسان عليه أجرة؛ من أجل نفع الغير، كالتعليم، إنسان قال لآخر: أريد أن تعلمني باب شروط الصلاة، فقال: ليس عندي مانع، لكن بشرط أن تعطيني أجرة، فنقول: هذا لا بأس به؛ لأن العوض هنا ليس عن التعبد بالعمل ولكن عن انتفاع الغير به.... إلى أن قال: إذا كانت العبادة ذات نفع متعدٍّ، وأراد الإنسان النفع المتعدي فلا بأس أن يأخذ عليه أجراً، ولو كانت من جنس الأشياء التي لا تقع إلا قربة؛ لأن هذا القارئ ما قصد التعبد لله بالقراءة بل قصد نفع الغير، إما التعليم أو الاستشفاء أو غير ذلك فهذا لا بأس به ([94]).

وقال أيضاً:" القاعدة: أن كل عمل لا يقع إلا قربة فلا يصح عقد الإجارة عليه، وما كان نفعه متعدياً من القرب صح عقد الإجارة عليه، بشرط أن يكون العاقد لا يريد التعبد لله ـ تعالى ـ بهذه القربة، وإنما يريد نفع الغير الذي استأجره لاستيفاء هذه المنفعة "  ([95]).

رابعاً :أن منصب الفتيا منصب تبليغ عن الله ورسوله، وقد قال الله تعالىفي غير ما آية في كتابه مخاطباً نبيه بأن مهمة البلاغ أجرها من الله تعالى، وأنها غير قابلة لأخذ أجر من أجور الدنيا، في مثل قوله تعالى:ﭽﯴ  ﯵ        ﯶ  ﯷ  ﯸ ﭼ([96]).

قال الشنقيطي:" ويؤخذ من هذه الآيات الكريمة: أن الواجب على أتباع الرسل من العلماء وغيرهم أن يبذلوا ما عندهم من العلم مجاناً، من غير أخذ عوض على ذلك، وأنه لا ينبغي أخذ الأجرة على تعليم كتاب الله تعالى، ولا على تعليم العقائد والحلال والحرام" ([97]).

قال ابن القيم:"فأما أخذه – يعني المفتي- الأجرة فلا يجوز له؛ لأن الفتيا منصب تبليغ عن الله ورسوله، فلا تجوز المعاوضة عليه، كما لو قال له: لا أعلمك الإسلام أو الوضوء أو الصلاة إلا بأجرة، أو سئل عن حلال أو حرام فقال للسائل: لا أجيبك عنه إلا بأجرة، فهذا حرام قطعاً، ويلزمه رد العوض، ولا يملكه"([98]).

ويمكن أن يجاب عن هذا الاستدلال: بأن الفتيا وإن كانت تبليغاً عن الله ورسوله، فإنها في بعض المواضع لا تكون واجبة وجوباً عينياً، وإنما يشرع بذلها للمستفتي، ولهذا قلب بعض العلماء الاستدلال بالآية السابقة فقال:الآية تدل على أنه يحلّ أخذ الأجر للتعليم وتبليغ الأحكام ، والمعنى لا أسألكم جعلاً تعففاً. أي: وإن حلّ لي أخذه " ([99]).

وذكر بعضهم : أن الآية على نفي سؤاله صلى الله عليه وسلم منهم أجراً، كي لا يثقل عليهم الامتثال، وأما استفادة الحل والتحريم منها، ففيه خفاء ([100]).

القول الثالث: عدم جواز أخذ الأجرة على الفتوى للمفتي إن كان غير محتاج، وجواز أخذها عند الحاجة، بأن لا يكون له كفاية لا من ماله ولا من بيت المال وهذا أحد الأقوال في مذهب أحمد ([101]).

 وهذا القول هو الذي يختاره شيخ الإسلام ابن تيمية  في سائر الأعمال التي يختص فاعلها أن يكون من أهل القربة، يقول ابن تيمية:" وقيل: يجوز أخذ الأجرة عليها – فعل القربات - للفقير، دون الغني، وهو القول الثالث في مذهب أحمد، ... وهذا القول أقوى من غيره على هذا، فإذا فعلها الفقير لله، وإنما أخذ الأجرة لحاجته إلى ذلك، وليستعين بذلك على طاعة الله، فالله يأجره على نيته، فيكون قد أكل طيباً، وعمل صالحاً ([102]).

أدلة هذا القول:

أولاً : أن المفتي إن لم يأخذ أجرة على فتواه أفضى ذلك إلى ضرر يلحقه في عائلته - إن كانوا - وحرج، وهو منفي شرعاً، وإن لم يفت حصل-أيضاً- للمستفتى ضرر، فتعين الجواز ([103]).

ثانياً : قياس المفتي على ولي اليتيم،  فكما أذن الله لولي اليتيم أن يأكل مع الفقر ويستغني مع الغنى، فكذلك المفتي ([104]).


لاستكمال القراءة يرجى تحميل ملفات الكتاب

word

إظهار التعليقات
التعليقات
أضف تعليق
الإســـــــــــــــــــم :
البريد الالكترونى :
التعليــــــــــــــــق :
اكتب كود التحقق
5381
تعليقات فيس بوك

مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء