suhaiban.com/index-ar-show-934.html

أمانة المناصب
مشاهدات : 593

الجمعة 17 ربيع الثاني 1436 هـ - الجمعة 6 فبراير 2015 م

الحمد لله...

أيها المؤمنون، أوصيكم ونفسي بوصية الله للأولين والآخرين وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ

حمل ثقيل وواجب كبير عُرض على الكون كله، سمائه وأرضه وجباله، فوجلت تلك المخلوقات العظيمة من حمله، وأبت من القيام به، خوفاً من عذاب الله تعالى، وعُرض هذا الحمل على آدم عليه السلام، فحمله واستقلّ به، إنه حمل الأمانة، يقول ابن عباس رضي الله عنهما: (الأمانة الفرائض، عرضها الله على السموات والأرض والجبال، إن أدَّوها أثابهم، وإن ضيّعوها عذبهم، فكرهوا ذلك وأشفقوا منه من غير معصية، ولكن تعظيماً لدين الله تعالى)، ﴿إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَـٰنُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً ﴾.

الأمانة هي كل التكاليف الشرعية، من حقوق الله وحقوق العباد، فمن أداها فله الثواب، ومن ضيَّعها فعليه العقاب، كما قال تعالى في آخر الآية: ﴿لّيُعَذّبَ ٱللَّهُ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ وَٱلْمُنَـٰفِقَـٰتِ وَٱلْمُشْرِكِينَ وَٱلْمُشْرِكَـٰتِ وَيَتُوبَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً﴾،

الأمانة في نظر الشرع صفة واسعة الدلالة، وهي تدل على معان شتى، هي بإيجاز: شعور المرء بمسؤوليته في كل أمر يوكل إليه، قال العلماء: "والمجالات التي تدخل فيها الأمانةُ كثيرةٌ، قاعدتها وأصلُها التكاليف والحقوقُ التي أمر الله جل وعلا بِرعايتها وصِيانتها، ممّا هو متعلِّق بالدِّين أو النّفوس أو العقول أو الأموال أو الأعراض".

الأمانةُ خلُقٌ مِن أخلاق الأنبياءِ والمرسَلين، وفضيلةٌ من فضائل المؤمنين، يقول سبحانه في وَصفِ عبادِه المفلحين المؤمِنين: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْوَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾[المعارج:32].

الأمانة فريضة يتواصى المسلمون برعايتها ويستعينون بالله على حفظها، ورد في الدعاء للمسافر: ((استودع الله دينك وأمانتك وخواتم عملك)).

الأمانة دليل صدق الإيمان عن أنس رضي الله عنهقال: ما خطبنا رسول الله  صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلا قال: (لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له) رواه أحمد وهو صحيح، الأمانة حرص على أداء الواجب وحرص على الإحسان فيه، وإخلاص في ذلك كله، جاء في الحديث الصحيح:" إِنَّ الله يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلاً أَنْ يُتْقِنَهُ".

الأمانة حفظ حقوق الناس عامة، بل حفظ مجالسهم بعدم إفشاء أسرارها، ونشر أخبارها غير المناسبة من أمانة المجلس، في الحديث الحسن (إذا حدث الرجل بالحديث ثم التفت فهي أمانة)

الأمانة وضع الشيء في موضعه اللائق به، واختيار الكفء للمناصب والمسؤوليات، عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قلت: يا رسولَ الله، ألا تستعمِلُني؟! قال: فضَرَب بيدِهِ على منكِبي ثم قال: ((يا أبا ذرّ، إنّك ضعيف، وإنها أمانةٌ، وإنها يومَ القيامة خِزيٌ وندامة، إلاّ من أخذها بحقِّها وأدَّى الذي عليه فيها)) رواه مسلم، وبهذا يعلم أن الكفاءة للمناصب ليست هي التقوى والصلاح فحسب، بل لا بد أن يجتمع معها المؤهلات والخبرات الكافية، وانظروا إلى يوسف عليه السلام حين رشح نفسه لإدارة المال، لم يذكر نبوته وتقواه، بل طلبها بحفظه وعلمه ﴿قَالَ ٱجْعَلْنِى عَلَىٰ خَزَائِنِ ٱلأرْضِ إِنّى حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾[يوسف:55].

الأمانة مسؤولية كل أحد بحسب ما منحه الله من النعم والمواهب فصحة أعضاء البدن أمانة والأموال أمانة والأولاد أمانة، والمؤمن الصالح يعلم أن هذه النعم هي ودائع الله الغالية عنده، فيقوم بحقها ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَخُونُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَـٰنَـٰتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ * وَٱعْلَمُواْ أَنَّمَا أَمْوٰلُكُمْ وَأَوْلَـٰدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾

الخيانة ضد الأمانة، والخيانة صفة المنافقين في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا أؤتمن خان، وزاد مسلم في رواية له وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم، والله-سبحانه- لا يحب الخائنين، {إن الله يحب من كان خوانًا أثيمًا}، بل كان عليه الصلاة والسلام يستعيذ بالله من الخيانة، كما بقوله: ((اللهم إني أعوذ بك من الجوع فإنه بئس الضجيع، وأعوذ بك من الخيانة فإنها بئست البطانة)، وأعظم الخيانات ما يعظم ضرره ويطال جمهور الناس، في صحيح البخاري قال عليه الصلاة والسلام: (إذا جمع الله بين الأولين والآخرين يوم القيامة يرفع لكل غادر لواء يعرف به فيقال: هذه غدرة فلان).

إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا

 

الخطبة الثانية:

روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بينما كان رسول الله  صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في مجلسه يحدِّث القوم جاءه أعرابي فقال يا رسول الله متى الساعة؟ فمضى رسول الله  صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يحدث فقال بعض القوم: سمع ما قال، فكره ما قال، وقال بعضهم: بل لم يسمع، حتى إذا قضى حديثه، قال: ((أين السائل عن الساعة؟)) قال: ها أنا يا رسول الله، قال: ((فإذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة))، قال، كيف إضاعتها؟ قال: ((إذا وُسَّد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة)).

يا مالكي أمر العباد تذكروا * * * لله نقض الحكم والإبرام

فستسألون عن الأمانة فاعملوا * * * خيرا ليوم تزاحم الأقدام

إن ضياع الأمانة وفشو الخيانة كما هو من علامات اقتراب الساعة فهو من علامات فساد الزمان،  يقول  صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((إنَّ الله يبغِض الفحشَ والتفحُّش. والذي نفسُ محمّد بيدِه، لا تقوم الساعة حتى يُخوَّنَ الأمين ويؤتَمَن الخائن، حتى يظهَر الفُحش والتفحُّش وقطيعةُ الأرحام وسوءُ الجوار)) والحديثُ رواه أحمد وغيره وإسناده صحيح.

27/2/1436

إظهار التعليقات
التعليقات
أضف تعليق
الإســـــــــــــــــــم :
البريد الالكترونى :
التعليــــــــــــــــق :
اكتب كود التحقق
4628
تعليقات فيس بوك

مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء